لم يتوقع محمود حجازي أن تتحول جثامين 14 شهيدا من عائلته أشرف على دفنهما داخل مقبرة البطش في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى "جثامين مجهولة"، غداة عملية عسكرية عدوانية لجيش الاحتلال داخل المقبرة التي حولتها جرافاته وآلياته لكومة من الخراب والدمار.
ومنذ بداية الإبادة الجماعية تعرضت المقبرة المذكورة للتخريب العسكري الإسرائيلي مرتين، وعلى الرغم من ذلك ذهب حجازي (42 عاما) من سكان حي الدرج بمدينة غزة لتلك المقبرة الواقعة شرق المدينة واطمأن على قبور (إخوانه وأولادهم) ونجله "مجد" الذين ارتقوا في مجزرة إسرائيلية جماعية.
لكن في المرة الثالثة التي تعرضت فيها المقبرة للتجريف الإسرائيلي ونبش القبور، الأسبوع الماضي، بذريعة البحث عن جثة جندي إسرائيلي، يعيش حجازي مشاعر الصدمة مجددا.
يصف في حديثه لصحيفة "فلسطين" تلك المقبرة بعدما كانت مليئة بمئات القبور وجثامين الأحباب: "الآن: لا قبور ولا شواهد ولا جثامين ولا حتى دلالات على قبور كانت هناك".
يتساءل الأب لشهيدين آخرهم ارتقى في رمضان العام الفائت: "أين ذهبت تلك الجثامين؟ هل دهستها جنازير الدبابات الإسرائيلية؟ أم سرقها جيش الاحتلال؟".
بحسب وسائل إعلام عبرية فإن الجيش نبش أزيد عن 200 قبر فلسطيني وجرف بين 500-1000 قبر تضم رفات شهداء وأموات غزيين بذريعة البحث عن جثة الجندي الإسرائيلي ران غفيلي.
ذات الصدمة والشعور خاض تجربته، عبد القادر ريان من مخيم جباليا شمال القطاع، الذي فقد بعد عملية عسكرية إسرائيلية خلال الإبادة الجماعية قبور وجثامين شقيقيه الشهيدين خالد ومحمود منذر ريان وابن عمهما أحمد محمد ريان الذين ارتقوا برصاص إسرائيلي في مارس/ آذار 2008.
وفي نوفمبر/ تشرين أول 2023، قتل جيش الاحتلال والدي عبد القادر (36 عاما) وأولاد شقيقاته (6 شهداء) خلال مجزرة جماعية لعائلته، وعلى الفور أشرف على دفن جثامينهم في مقبرة الفالوجا داخل المخيم.
يقول ريان في حديثه لصحيفة "فلسطين": بعد عودة الأسرة من النزوح القسري من جنوب القطاع إلى شماله خلال وقف إطلاق النار يناير/ كانون ثان 2025، ذهبت لزيارة المقبرة وهناك كانت المفاجأة.
يضيف: لم أجد قبور الشهداء خالد ومحمود وأحمد، وكل ما وجدته قطع رخامية أو أحجار متناثرة، مشيرا إلى أن الشاهدين على تلك العملية العسكرية أبلغوه بأن الجيش قام بفتح طريق من داخل المقبرة طول 100م وبعرض 5م فتسببت جرافات الاحتلال آنذاك بتجريف مئات القبور والجثامين التي بداخلها.
وإكراما للميت، قام المواطنين بتجميع رفات وعظام جثامين الشهداء والموتى ودفنهما في قبور جماعية، دون معرفة أي من الدلائل. بحسب ريان الذي يزور المقبرة بين حين وآخر ويدعو بالحرمة لجميع الأموات عامة دون معرفة من بداخل القبور الجماعية.
طوال حرب الإبادة الجماعية التي أسفرت حتى اللحظة عن قتل (إسرائيل) أزيد عن 71 ألف شهيد، سلمت سلطات الاحتلال بين حين وآخر جثامين لشهداء ارتقوا داخل الأراضي المحتلة أو أموات سرق الجيش جثامينهم من مقابر داخل غزة؛ بحجة البحث عن جثامين الأسرى الإسرائيليين، واعترضت وقتها وزارة الصحة أمام اللجنة الدولية للصليب الأحمر على عملية التسليم لأن تلك الجثامين غير معروفة ولا تحمل دلائل لأصحابها.
وفور دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ 10 أكتوبر الماضي، سلمت سلطات الاحتلال بحسب بنود الاتفاق 330 جثمانا تعرفت عائلاتهما على 90 منهم فيما دفنت الطواقم الحكومية الجثامين المتبقية؛ إكراما للميت داخل مقابر جماعية أنشأتها وزارة الأوقاف.
سياسة إسرائيلية
بحسب إفادة مدير عام العلاقات العامة والإعلام في وزارة الأوقاف رمزي النواجحة فإن جيش الاحتلال جرف ودمر 40 مقبرة من أصل 60 في القطاع، كان آخرها تدمير مقبرة البطش ونبش مئات القبور بشكل مهين للكرامة الإنسانية.
وذكر في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن وزارة الأوقاف أقامت 3 مقابر جماعية (دير البلح، خان يونس، بيت لاهيا) خلال الإبادة الإسرائيلية تضم حاليا جثامين 1800 شهيد مجهولي الهوية ممن عثر عليهم في الطرقات أو تحت الركام والمنازل المدمرة أو جثامين شهداء ارتقوا داخل الأراضي المحتلة وسلمت سلطات الاحتلال جثامينهم دون التمكن من معرفتها وبالتالي أصبحت "جثامين مجهولة الهوية".
وأكد النواجحة أن هذه الجرائم تمثل اعتداء سافرا على المقدسات وحرمة المقابر، وتكشف مجددا الوجه الحقيقي للاحتلال الذي لا يراعي أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية حتى تجاه قبور الشهداء والأموات.
وقانونيا، أوضح المدير العام لمركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان عصام عاروري أنه بحسب القانون الدولي الإنساني تلتزم جميع الأطراف المتحاربة بالعناية بالجرحى وضحايا الطرف الأخر، وفي حال وجود ضحايا، يتم الاحتفاظ بالجثامين بطريقة لائقة وتسهيل التعرف عليها لاحقا.
وبذلك، أكد عاروري في حديثه لصحيفة "فلسطين" ارتكاب (إسرائيل) انتهاكات قانونية ضد القوانين الدولية والإنسانية والأعراف الدولية أيضا، إلى جانب انتهاكها لتلك القوانين بطريقة نبش القبور أو إعادة الجثامين "مشوهة" بعد نبش القبور أو تجريفها.
ونبه إلى أن نبش القبور سلوك إسرائيلي قديم – جديد، وسبق أن سلمت سلطات الاحتلال في حوادث سابقة جثامين لشهداء فلسطينيين دون وثائق وعبارة عن أجزاء بشرية، عادا ذلك إهانة لمبدأ الكرامة الإنسانية بغض الطرف عن العرق واللون والدين.
وأشار إلى أن هناك مراسلات قانونية فلسطينية ضد (إسرائيل) التي تنتهج سياسة خطف جثامين الشهداء والاحتفاظ بها بطرق مجهولة، واستدل بتقرير حقوقي إسرائيلي بعد مرافعات فلسطينية عام 2017 أمام محكمة الاحتلال العليا بأن: هناك إهمال كبير في ملف احتجاز جثامين الشهداء داخل "مقابر الأرقام".
كما استدل برفض أهالي الشهداء تسلم جثامين أبناءهم "المشوهة" ودون معرفة هوياتهم؛ لأن ذلك سيكون عبارة عن نقل جثامينهم من "مقبرة أرقام" إسرائيلية إلى فلسطينية.
ورغم ذلك، أكد عاروري أن هناك تزايد في سياسة احتجاز الاحتلال لجثامين الشهداء ويبلغ عددهم حاليا 767 جثمانا محتجزا منهم 96 أسيرا من غزة ارتقوا نتيجة التعذيب داخل سجون الاحتلال.
وخلص الحقوقي إلى أن السياسة الإسرائيلية الممنهج في تجريف القبور أو احتجاز جثامين الشهداء أو تركها فريسة للكلاب والقطط أو التحلل خلال الإبادة الجماعية، ضاعف من أعداء المفقودين والجثامين المجهولة.
وأكد أن ذلك يشكل معضلة كبيرة داخل المجتمع الفلسطيني ستمتد لسنوات وعقود زمنية طويلة، داعيا إلى الضغط على سلطات الاحتلال لوقف انتهاكاتها المستمرة والسماح بدخول أجهزة مخبرية متطورة للفلسطينيين لتسوية هذه القضايا المعقدة والضخمة والتي تتطلب جهود دولية أيضا.
يذكر أن مؤسسات حقوقية وجهات حكومية استطاعت توثيق بيانات مالا يقل عن 9500 مفقود في غزة نتيجة الإبادة الإسرائيلية الجماعية ضد سكان غزة الذين يزيد عددهم عن 2.3 مليون إنسان.