في مشهد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية التي خلفتها حرب الإبادة، يتصاعد سخط المواطنين في قطاع غزة، تجاه ما يصفونه بتقاعس سلطة النقد والبنوك عن القيام بمسؤولياتها القانونية والوطنية.
ويأتي ذلك في وجود أزمة مالية خانقة تتجلى في شح السيولة، وانتشار العملات المهترئة، واستمرار إغلاق وتجميد آلاف الحسابات البنكية، على الرغم من مرور أكثر من أربعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار.
هذا الغضب المتراكم لم يبقَ حبيس الشكاوى الفردية أو الأحاديث الجانبية، بل ترجم نفسه مؤخرًا إلى وقفات احتجاجية متتالية شارك فيها مواطنون، ومحامون، وصحفيون، وتجار، وممثلو عائلات، رفعوا خلالها صوتهم عاليًا للمطالبة بحلول جذرية تنهي حالة الشلل المالي التي تخنق تفاصيل حياتهم اليومية.
ويؤكد المحتجون أن الأزمة لم تعد مجرد مشكلة تقنية أو ظرفية، بل تحولت إلى معاناة مركبة تمس كرامة الإنسان وقدرته على تأمين أبسط احتياجاته.
المختار أبو العبد سرية عبّر، عن حجم الاحتقان الشعبي، مؤكدًا أن الرسالة الأساسية للمواطنين موجّهة إلى سلطة النقد، التي يُفترض أن تتدخل فورًا لإنهاء أزمة السيولة والأوراق النقدية المهترئة، وأن تمارس صلاحياتها القانونية على البنوك العاملة في قطاع غزة لحل مشكلات المواطنين، وعلى رأسها فتح الحسابات البنكية المتوقفة.
واعتبر سرية في حديث لـ "فلسطين أون لاين"، أن استمرار هذا الوضع يضاعف من معاناة الناس ويقوّض الثقة بالمؤسسات المالية الرسمية.
ولم يخفِ سرية استياءه من أداء إدارات البنوك، داعيًا إياها إلى التحلي بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية، والتعامل بمرونة مع المواطنين الذين أنهكتهم الحرب والحصار، كما وجّه نداءً للتجار بضرورة تحمل مسؤولياتهم الوطنية، من خلال التعامل بالعملات المتداولة، بما فيها المهترئة، لتجاوز الأزمة مؤقتًا، في ظل غياب أي حلول رسمية حقيقية.
"الاقتصاد" لـ"فلسطين أون لاين": ننفذ حملة لمواجهة رفض التعامل النقدي ونكثف ضبط الأسواق بغزة
من جانبه، شدد المحامي رمضان السلطان على أن الوقفات الاحتجاجية جاءت دفاعًا عن حق أصيل، بعد أن جرى تجميد حسابات مئات المحامين والمواطنين منذ أكثر من ستة أشهر دون مسوّغ قانوني.
وقال السلطان، إن البنوك أوقفت الحسابات بقرارات مفاجئة، ما حرم أصحابها من الوصول إلى مدخراتهم وأتعابهم، وتركهم في مواجهة مباشرة مع الفقر والعوز.
وأضاف أن المحتجين ماضون في تحركاتهم، حتى لو اقتضى الأمر التجمهر يوميًا، إلى أن تتم الاستجابة لمطالبهم وفتح الحسابات المجمدة.
وطالب السلطان، رئيس لجنة إدارة القطاع، د. علي شعث، بالتدخل العاجل لإيجاد حل لمشكلة المحامين وحساباتهم البنكية، مؤكدًا أن هذه القضية لم تعد تحتمل التسويف أو التأجيل، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة بعد حرب الإبادة.
أما الصحفي محمد العايدي، فربط الأزمة المالية الراهنة بالسياق الأوسع لحرب الإبادة التي تعرض لها القطاع، معتبرًا أن مشكلة السيولة والعملات المهترئة ليست أزمة منفصلة، بل هي إحدى النتائج المباشرة للعدوان والحصار.
وأشار العايدي إلى أن المسؤولية في هذه الأزمة موزعة على عدة أطراف، تبدأ بالمواطن، مرورًا بالتاجر، ثم البنوك، وصولًا إلى سياسات الاحتلال التي استهدفت البنية الاقتصادية والمالية بشكل ممنهج.
الصحفي محمد العايدي
واقترح العايدي أن يكون التعاون المجتمعي جزءًا من الحل، من خلال تداول العملات الموجودة، إلى حين تدخل الجهات الرسمية، داعيًا في الوقت ذاته جميع المسؤولين إلى تحمل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية، والعمل المشترك لتجاوز هذه الأزمة التي تهدد السلم الاجتماعي والاستقرار المعيشي.
وأكد أن البنوك تمثل جزءًا أساسيًا من المشكلة، وعليها أن تواجه واجبها الوطني بدلًا من الاختباء خلف المبررات الإجرائية.
سياسة إسرائيلية متعمدة
في السياق، أوضح الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الأزمة المالية في غزة هي نتاج سياسة إسرائيلية متعمدة، هدفت إلى تجريد القطاع المالي الرسمي، ممثلًا بسلطة النقد والبنوك، من دوره الطبيعي، ودفعه قسرًا نحو السوق السوداء.
واعتبر أبو قمر في حديثه مع "فلسطين أون لاين"، أن فتح بعض فروع البنوك بعد وقف إطلاق النار لا يتجاوز كونه إجراءً شكليًا، طالما بقيت عمليات الإيداع والسحب معطلة، وهي جوهر العمل المصرفي.
الباحث في الشأن الاقتصادي، أحمد أبو قمر
وأشار أبو قمر إلى أن خسائر القطاع المالي المباشرة تُقدّر بنحو 42 مليون دولار، نتيجة إتلاف الأموال وتدمير الأصول، منتقدًا بشدة تقاعس سلطة النقد والبنوك، خاصة بعد مرور أربعة أشهر على وقف إطلاق النار، في وقت جرى فيه حل أزمات مماثلة في الضفة الغربية خلال أيام قليلة، ما يعكس، بحسب وصفه، خللًا سياسيًا واضحًا في التعاطي مع غزة.
وأكد أن جذور الأزمة سياسية بامتياز، في ظل رفض الاحتلال أي تدخل حقيقي لمعالجتها، بهدف زيادة خسائر المواطنين وتعميق حالة السخط الشعبي.
ورأى أن الحل العاجل يكمن في تحمل سلطة النقد لمسؤولياتها القانونية بالشراكة مع البنوك، إلى جانب تفعيل دور لجنة التكنوقراط للضغط من أجل إدخال السيولة السليمة، وإخراج العملات المهترئة من التداول، وإيجاد حل شامل يعيد الحد الأدنى من الاستقرار المالي.
ومع استمرار حالة الغضب الشعبي، يؤكد المواطنون أن صبرهم شارف على النفاد، وأن الوقفات الاحتجاجية ليست سوى بداية لتحركات أوسع، إذا ما استمر تجاهل مطالبهم.
فبعد حرب طويلة وحصار خانق، كان الأمل معقودًا على مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع المالي المرير أعاد إنتاج المعاناة بأشكال جديدة، وترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع مؤسسات يفترض بها أن تكون سندًا لهم، لا عبئًا إضافيًا فوق جراحهم المفتوحة.