ما يجري اليوم في ملف رواتب الأسرى لا يمكن قراءته كقرار مالي أو إجراء إداري معزول عن سياقه، بل كحلقة متقدمة في مسار سياسي طويل يستهدف تفكيك المعنى الوطني للأسر وتحويله من تجربة نضالية مؤسسة إلى عبء قابل للتجريم والملاحقة والاقتطاع.
الجديد في هذه المرحلة ليس فقط وقف الرواتب، والذي جرى ويجري بمرسوم رئاسي، بل هو منطق التدرج الذي يحكم العملية كلها، حيث لا يتوقف الضغط عند حد، بل يتقدم خطوة خطوة، مستندا الى رصيد سابق من التنازلات التي نجحت بالابتزاز دون ان يكون له أي ثمن ملموس، سواء كان ماديا او سياسيا، فالوضع المالي للسلطة على حاله، بل ويسوء، والافق السياسي مغلق تماما.
في هذا السياق تبرز حركة فتح بوصفها المثال الاكثر قسوة على انقلاب الأدوار التي قد تمر بها حركات التحرر الوطني، حركة قدمت نفسها تاريخيا باعتبارها رائدة العمل الوطني ورافعته، وحاملة مشروع التحرر، تجد نفسها اليوم في موقع المنفذ الدقيق لشروط سياسية ومالية صيغت اصلا لتجريد النضال من مضامينه جميعها، المفارقة ان السيف الذي رفع باسم الواقعية السياسية والالتفاف على العقوبات بات اقرب الى ان يطال اولئك الذين حملوا على اكتافهم عبء الحركة نفسها، وصنعوا شرعيتها في مراحل التأسيس والمطاردة والسجون، قبل ان تنزلق الحركة تدريجيا من فضاء التحرر الى وهم الدولة.
خلال السنوات الماضية جرى العمل حثيثا على مع ملف رواتب الاسرى بمنطق التحايل لا المواجهة، حيث اعيد تصنيف الاسرى، منهم من حول الى موظفين على الهيئات المختلفة سواء المؤسسات الحكومية او مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، والبعض الاخر حمل على صندوق التقاعد، وفي كلتا الحالتين احتسبت سنوات الاسر كسنوات خبرة او ميزات إضافية، معتقدين ان هذا الالتفاف سيحمي قاعدة الحركة من العقوبات التي قد تفرضها دولة الاحتلال ومن خلفها واشنطن والمانحين الدوليين، لكن هذا المسار لم يكن ذكاء سياسيا بقدر ما كان اعترافا ضمنيا بمنطق العقوبة نفسه، والاستعداد لتقبل الفكرة، والاسوأ ان هذا التحول لم يفرض فقط من الخارج، بل نفذ من الداخل عبر لجان وموظفين وكوادر امنية وادارية شاركت في تتبع ملفات الاسرى من الفصائل الاخرى، ومراجعتها وتقديم مئات التوصيات بوقف رواتبهم، بعد ان ضمنت شريحة واسعة من الاسرى فحولتهم الى موظفين او متقاعدين، حدث ذلك كله قبل ان يصبح القرار عاما وملزما وتعهد رسمي من السلطة وصدر بمرسوم رئاسي العام الماضي.
اليوم تدور الدائرة، فبحسب المعلومات المتداولة هناك ضغط اميركي قادم سيستهدف رواتب الاسرى السابقين الموجودين على كادر مؤسسات السلطة الفلسطينية او المنظمة او من المتقاعدين الذين حصلوا على رتب ومخصصات لانهم كانوا اسرى فقط، هذه الفئة التي يشكل ابناء فتح سوادها الاعظم اعتقدت طويلا انها في مأمن من الاستهداف بعد ان انجزت المهمة باتقان، واعتقدت ان صفتها الوظيفية ستوفر لها حصانة، لكن ما لم يراد ادراكه ان دولة الاحتلال لا تتراجع عن أهدافها طوعا، بل تختبر كل مرحلة، وحين تمر الخطوة الاولى دون كلفة سياسية حقيقية، تنتقل الى التي تليها مباشرة.
الضجيج الذي رافق المرحلة السابقة كان عاليا جدا، لكن النتيجة كانت واضحة، لا قيمة لكل احتجاج او اعتراض او بيانات او مناشدات، لان القبول بالمعيار والتسليم بالمنطق كان هو الاساس، الامر الذي حول كل تلك الجعجعة الى ضجيج بلا طحين.
ثلاثون عاما من التنسيق الامني لم تمر دون اثر، لم تكن مجرد ترتيبات ميدانية، بل عملية اعادة تشكيل بطيئة للوعي والدور، مناضلون سابقون اعيد انتاجهم كحراس نظام، وكوادر ادارية تراقب وتدقق وتوصي وتقطع، تحولت العلاقة مع الاسير من صحبة الزنزانة والاسر الى ملف امني، ومن تضامن ودعم الى مساءلة، ما جعل الحركة التي كانت ترى في المقاومة شرط وجودها، باتت ترى في ضبطها معيار نجاحها، وفي تنفيذ الشروط المفروضة من الخارج دليلا على الجدارة والكفاءة.
الأخطر في هذا المسار ليس فقط الاثر الاجتماعي المباشر على الاف العائلات، بل اعادة تعريف الاسر نفسه، حين يتحول الاسير من رمز الى رقم، ومن حق الى امتياز قابل للسحب، فان ذلك يضرب جوهر السردية الوطنية، ويعيد انتاج رؤية الاحتلال التي تسعى الى تجريم الفعل المقاوم وتجفيف بيئته الاخلاقية قبل المادية.
سياسيا تضع هذه القرارات السلطة امام معادلة مستحيلة، فهي من جهة عاجزة عن مواجهة شروط المانحين، ومن جهة اخرى تستنزف ما تبقى من شرعيتها الداخلية، فهذه ليست مجرد ازمة رواتب عابرة، بل ازمة حركة ومسار، فالتاريخ لا يمنح حصانة دائمة لأحد، وفي اللحظة التي تعتقد فيها اي حركة او سلطة انها اصبحت امنة وبعيدة عن المخاطر، تاتيها المخاطر من حدب وصوب، فمن ضيق على المناضلين بالامس يجد اليوم الادوات نفسها موجهة نحوه، لان التنازل الذي لا يوضع له حد سياسي واضح لا ينتهي، بل يتوسع، الى ان يطال الجميع، ويترك المشروع الوطني عاريا بلا حماية وبلا رواية.

