لم تعد غزة مجرد ساحة مواجهة عسكرية أو ملفا إنسانيا طارئا، بل تحولت إلى مركز اشتباك مفتوح بين إرادة شعب يرفض نزع هويته، ومنظومة دولية تحاول إعادة ضبط الصراع بما يخدم أمن الكيان الإسرائيلي واستقرار مصالحه في المنطقة. فكل محاولة لإخضاع القطاع أو احتوائه، انتهت بإعادة إنتاج غزة بوصفها عقدة سياسية ومعنوية عصية على الكسر.
في المدة الأخيرة، جرى التعامل مع غزة عبر ثلاث مقاربات رئيسة: أمنية تصفها بؤرة تهديد، ومقاربة إنسانية تختزلها في كارثة، وسياسية تسعى لإدارتها خارج السياق الوطني الفلسطيني، إلا أن أيا من هذه المقاربات لم ينجح في إغلاق المشهد أو فرض سردية مستقرة.
وترى الخبيرة في الشؤون السياسية والاقتصادية الدكتورة غانية ملحيس، أن المقاربة الأمنية كانت الأوسع استخداما، حيث جرى تصوير غزة باعتبارها خطرا دائما، ما وفر غطاء لحروب متكررة وسياسات عقاب جماعي، دون الحاجة إلى نقاش أخلاقي أو قانوني جدي حول طبيعة ما يجري.
مقاربات فاشلة
وتشير ملحيس في حديثها لصحيفة "فلسطين"، إلى أن هذه السردية أخفقت مع الوقت، إذ عجزت عن تفسير استهداف المدنيين والبنية الاجتماعية، وعن تبرير حجم التدمير مقارنة بالأهداف المعلنة. ومع انكشاف الفجوة بين الخطاب والواقع، بدأت الرواية الأمنية تفقد قدرتها على الإقناع حتى داخل بعض الدوائر الغربية.
ومع تراجع الخطاب الأمني، برزت المقاربة الإنسانية بوصفها البديل "الأقل كلفة"، فقد تحوّلت غزة إلى مأساة إنسانية مزمنة، تدار عبر المؤتمرات والنداءات العاجلة، حيث يطلب التعاطف لا العدالة، ويستبدل سؤال الجريمة بسؤال المساعدة.
وتحذر ملحيس من أن هذه المقاربة، رغم لغتها الناعمة، تنزع السياسة عن المشهد، وتحول القتل والتدمير إلى أزمة تقنية بلا فاعل واضح. وتضيف، حين تختزل غزة في الاحتياجات، يمحى السؤال عن السبب والمسؤول، ويفتح المجال لتكرار الكارثة دون محاسبة.
أما المقاربة الثالثة، فهي السياسية–الإدارية، التي تظهر في الحديث المتزايد عن "اليوم التالي" وإدارة غزة وإعادة إعمارها. وتصفها ملحيس بأنها الأخطر، لأنها تقدم بوصفها حلا عقلانيا، بينما تعمل عمليا على نزع الذاكرة وتطبيع نتائج الإبادة.
غزة تفضح التناقضات
وفق هذا الطرح، لا يسأل كيف انتهى القطاع إلى هذا الدمار، بل كيف يمكن البدء من جديد، وكأن التاريخ عبء يجب التخلص منه. وهنا تؤكد ملحيس أن غزة ترفض أن تكون صفحة بيضاء، وتصر على أن الذاكرة جزء لا يتجزأ من أي مستقبل ممكن.
وتفسر ملحيس فشل هذه المقاربات مجتمعة بأن غزة تمتلك فائض معنى لا يمكن احتواؤه. فهي لا تربك النظام الدولي بقوتها العسكرية، بل بقدرتها على إنتاج معنى أخلاقي وسياسي يفضح التناقض بين خطاب الحقوق وممارسة الهيمنة.
هذا الفائض، بحسب تحليلها، هو ما يجعل غزة غير قابلة للإدارة، فهي ترفض أن تختزل في أرقام الضحايا أو شروط البقاء البيولوجي، وتصر على ربط الحياة بالعدالة، لا بالمعونات أو التهدئات المؤقتة.
استهداف الذاكرة
في هذا السياق، لا تبدو الإبادة فعلا عسكريا معزولا، بل محاولة لكسر هذا المعنى ذاته، عبر استهداف الذاكرة والبنية الاجتماعية، ومنع تحويل المعاناة إلى فعل سياسي قادر على مساءلة العالم.
وعلى المستوى السياسي، تشير مصادر فلسطينية وإقليمية إلى أن المقاربة الأميركية لغزة تنطلق من رؤية أوسع لإعادة هندسة الصراع، تقوم على تحييد جوهر القضية الفلسطينية مقابل ترتيبات أمنية واقتصادية طويلة الأمد.
ووفق هذه الرؤية، تعامل غزة كمساحة يجب إخراجها من معادلة الصراع السياسي، وربط مستقبلها بتهدئة دائمة تضمن أمن الكيان الإسرائيلي، مقابل وعود بالإعمار وتحسين شروط المعيشة.
تغييب المساءلة
وتقدم هذه الطروحات بلغة "الاستقرار" و"إعادة الإعمار"، فيما يجري تغييب ملفات الاحتلال والسيادة والمساءلة القانونية. وينظر إلى هذا المسار بوصفه محاولة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية كأزمة إنسانية قابلة للإدارة، لا كقضية تحرر وطني قائمة على الحقوق.
في المقابل، يرى الخبير العراقي الدكتور نور الهاشمي، أن هذه المشاريع تصطدم برفض فلسطيني واسع، لأنها تتجاوز إرادة الشعب الفلسطيني، وتعيد إنتاج الاحتلال بأدوات ناعمة، وتسعى لفصل غزة عن سياقها الوطني الفلسطيني.
ويحذر الهاشمي، في حديثه لصحيفة "فلسطين"، من أن أخطر ما في هذه الترتيبات هو تقديمها بوصفها حلولا واقعية، بينما هي في جوهرها استمرار لسياسات السيطرة، وتحويل ما بعد الإبادة" إلى مرحلة تطبيع مع نتائج الجريمة.
وتتلاقى هذه القراءة مع تحذير ملحيس من أن غزة لا تختبر العالم وحده، بل تختبر الفلسطيني أيضا، بقولها "كيف يمكن حماية المعنى دون تحويله إلى عبء، وكيف يمكن رفض الاحتواء دون الوقوع في فخ إدارة الموت".