- أكثر من 20 ألف مريض ينتظرون السفر، بينهم 4 آلاف مريض أورام
- 3100 مريض فقط غادروا القطاع منذ إغلاق المعبر
- أبو ندى: العلاج الكيماوي المتوفر حاليًا كان يُستخدم قبل 30 عامًا
مثّل إغلاق معبر رفح منذ مايو/ أيار 2024، عقب سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي عليه، قطعًا لشريان الحياة الوحيد الذي يربط قطاع غزة بالعالم الخارجي، ما فاقم الكارثة الإنسانية والصحية، وأسهم في تفشي المجاعة بفعل منع إدخال المساعدات المتكدسة على الجانب المصري من المعبر، إلى جانب حرمان آلاف المرضى والجرحى من تلقي العلاج في الخارج، في وجود عجزٍ شبه كامل في المنظومة الصحية، فضلًا عن تعطّل مستقبل الطلبة المحرومين من استكمال تعليمهم خارج القطاع.
وحتى أولئك الذين غادروا غزة مع بداية الحرب، هربًا من جحيم الإبادة أو للعلاج، وجدوا أنفسهم عالقين خارج القطاع بعد استكمال علاجهم، يعيشون ظروفًا قاسية، ويتوقون للعودة إلى عائلاتهم. وعلى مدار نحو عامٍ ونصف، ظلّ هؤلاء يترقبون أخبار فتح المعبر، ليشكّل الإعلان الأخير نافذة أمل لـ“العودة المرتقبة”، رغم غموض آلية العمل، والحديث عن قيود وشروط قد يفرضها الاحتلال على العائدين.
حلم العودة المؤجل
قبل عام، غادرت دعاء قطاع غزة بموجب تحويلة طبية لعلاج طفلها ياسر (عام ونصف)، الذي استُشهد والده أثناء حمل والدته به، وُلد يعاني إعاقة بصرية. اضطرت الأم إلى ترك طفليها بلال (10 أعوام) ورؤى (9 أعوام) في غزة، ليواجها الحرب والمجاعة والنزوح، فيما عاشت هي مرارة الغربة بعيدًا عنهما.
تقول دعاء محمد لـ "فلسطين أون لاين": “أُجريت لطفلي عدة عمليات وتحسنت حالته، لكن الأطباء أخبروني أن عليه استكمال العلاج عند تقدمه في العمر بسبب وجود عتامة على القرنية”.
اقرأ أيضًا: السرطان ينهش أجساد مرضى غزة مع استمرار إغلاق معبر رفح
وتضيف: “فتح معبر رفح يعني أن تعود لنا الحياة من جديد”، غير أنها لا تخفي قلقها من المجهول، خاصة مع حاجة أطفالها إليها بعد استشهاد والدهم.
وتتابع بوجع: “عاش أطفالي في غزة بلا طعام كافٍ، وبخوفٍ شديد، ونزحوا خمس مرات خلال غيابي عنهم. في بعض اللحظات كان القصف قريبًا، وقلبي يحترق خوفًا، خصوصًا حين ينقطع الإنترنت، فأظل أتابع الأخبار وأخشى أن أجد أسماء أطفالي بين الشهداء أو المصابين”.
وتقرّ دعاء بأنها حين غادرت غزة في يناير/ كانون الثاني 2025، توقعت أن تمكث شهرًا واحدًا فقط، قبل أن تستأنف الحرب في مارس/ آذار، وتقول: “لو كنت أعلم أن الحرب ستعود وأن المجاعة ستتفاقم لما خرجت، حاولت اصطحاب أطفالي جميعًا، لكن الطلب قوبل بالرفض”.
بين نارَي الغربة والحرب
قصة دعاء تتقاطع مع معاناة عشرات الأمهات اللواتي غادرن غزة برفقة أبنائهن المرضى أو المصابين، وتركْن بقية أطفالهن تحت القصف، ليعشن صراعًا يوميًا بين قسوة الغربة والخوف على العائلة في غزة.
ووفق وزارة الصحة في غزة، ينتظر أكثر من 20 ألف مريض السماح لهم بالسفر للعلاج في الخارج، من بينهم 440 حالة “إنقاذ حياة”، فيما يبلغ عدد الأطفال الحاصلين على تحويلات طبية نحو 4500 طفل.
وأشارت الوزارة إلى وفاة 1268 مريضًا أثناء انتظار السفر، مؤكدة أن 3100 مريض فقط تمكنوا من مغادرة القطاع منذ إغلاق المعبر في 7 مايو/ أيار 2024، دون توضيح آلية خروجهم.
أطفال على قوائم الانتظار
من بين هؤلاء، الطفل سند أبو طير (4 أعوام)، الحاصل على تحويلة طبية عاجلة، بعد عجز الأطباء عن إجراء التدخل الجراحي اللازم داخل غزة. يعاني سند من كتل ورمية وتليّف في أعصاب قدمه اليمنى، ما يمنعه من بسطها على الأرض، ويجبره على المشي على أطراف أصابعه.
اقرأ أيضًا: الصحة تُحذِّر: مرضى السرطان في غزة يواجهون حكمًا بالإعدام البطيء
تقول والدته بقلق لـ"فلسطين أون لاين": “لا علاج لطفلي في غزة، ومع كل يوم يمر يزداد الألم. سند يحلم أن يمشي مثل باقي الأطفال، وأن يضع قدمه على الأرض”. وتضيف أن حالته اكتُشفت قبل الحرب بعام، وكان من المقرر إجراء عملية جراحية له عبر بعثة طبية فرنسية، لكن الحرب حالت دون ذلك، وفاقمت وضعه الصحي.
مرضى الأورام.. الأكثر تضررًا
يُعد مرضى السرطان الفئة الأكثر تضررًا من إغلاق معبر رفح، إذ يقبع نحو 4 آلاف مريض أورام على قوائم الانتظار، وسط تفشي المرض ووفاة العشرات.
من بينهم شروق أبو غليون (28 عامًا)، التي تنتظر منذ خمسة أشهر فتح المعبر للسفر، لإنقاذ قدمها اليسرى من البتر، بعد تفاقم التقرحات والنزيف والغرغرينا.
المصابة، شروق أبو غليون
تقول أبو غليون، وهي تجلس على كرسي متحرك داخل خيمتها في خان يونس: “انتظرت فتح المعبر طويلًا حتى لا أخسر قدمي. المرض بدأ ينتشر في جسدي، ولا يوجد علاج مناسب. وضعي الصحي صعب ونسبة الدم لديّ خمسة”.
وتضيف لـ "فلسطين أون لاين": “خلال الحرب لم نتلقَّ علاجًا مناسبًا، حتى الكيماوي المتوفر غير ملائم، ناهيك عن صعوبة التنقل وانعدام المواصلات وتدمير الشوارع”.
إمكانات شبه معدومة
ويؤكد المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، د. محمد أبو ندى، أن توقف تحويل مرضى الأورام للعلاج الخارجي بعد إغلاق المعبر أدى إلى تفشي المرض وتدهور الحالات وصولًا إلى الوفاة.
ويوضح أبو ندى لـ"فلسطين أون لاين" أن الإمكانات الطبية في غزة ضعيفة للغاية، وأن العلاج الكيماوي المتوفر حاليًا يعود إلى ما قبل 30 عامًا، بنسبة نجاح محدودة، نتيجة عدم توفر العلاجات الحديثة رغم محاولات منظمة الصحة العالمية إدخالها.
المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، د. محمد أبو ندى
كما دمّر الاحتلال أجهزة تشخيص أساسية، من بينها أجهزة فحص الخلايا، والمناظير، والتصوير الطبقي والرنين المغناطيسي، ولم يتبقَّ من أجهزة الكشف المبكر عن سرطان الثدي سوى جهازين فقط.
عالقون بعد العلاج
وبعد استكمال علاجهم في مصر، واجه مرضى السرطان صعوبات إضافية بسبب إغلاق المعبر، ومنهم أرزاق أحمد، التي سافرت في فبراير/ شباط 2025 للعلاج برفقة طفلتها جميلة (4 أعوام).
تقول أحمد: “العلاج كان على نفقتي الخاصة وبكلفة عالية. شُفيت من الورم لكنه عاد وانتشر مجددًا، وأحاول استكمال العلاج قبل العودة لغزة”.
وتختم بلهفة: “طفلتي تشتاق لوالدها، وأنا أعيش انتظار فتح المعبر على أحرّ من الجمر. عذاب المرض في كفة، وإغلاق المعبر في كفة أخرى”.