تعود التهديدات الأميركية بضرب إيران إلى واجهة المشهد الإقليمي في توقيت بالغ الحساسية، يتقاطع فيه التصعيد العسكري مع ملفات غزة ولبنان واليمن، ومع تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. هذا التصعيد يثير تساؤلات جوهرية بشأن أهداف واشنطن وحدود خياراتها.
ويرى خبراء في الشؤون الدولية أن التصعيد الأميركي تجاه إيران يعكس مقاربتين متداخلتين، الأولى تعتبره جزءا من مشروع استراتيجي لإعادة فرض الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية في المنطقة، في حين تنظر إليه الثانية كأداة ضغط سياسية تهدف إلى فرض تسويات جديدة في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها ملفات غزة ولبنان واليمن مع تحولات أوسع في النظام الدولي.
وأمس، جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تهديداته لطهران، بقوله: "أسطول ضخم يتجه نحو إيران ويتحرك بسرعة وهو أكبر من ذلك الذي أرسل إلى فنزويلا، نأمل أن تجلس إيران إلى طاولة المفاوضات والهجوم القادم عليها سيكون أسوأ بكثير ولا تسمحوا بتكرار ذلك".
ومنتصف الأسبوع، دخلت حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى المنطقة برفقة مجموعة من السفن الحربية، في إطار التهديدات الأمريكية المحتملة بشن هجوم عسكري ضد إيران، وفق وسائل إعلام غربية.
وتضم الحاملة على متنها طائرات مقاتلة من طرازي "إف-35 سي" و"إف/إيه-18"، بالإضافة إلى طائرات الحرب الإلكترونية "إي إيه-18 جي غروولر" القادرة على التشويش على أنظمة الدفاع، وترافقها ثلاث مدمرات بحرية مجهزة بصواريخ "توماهوك" المجنحة.
رؤية الهيمنة الأميركية
وبرأي د.نعيم الريان الخبير في الشؤون السياسية والأميركية، أن التهديدات الأميركية لا يمكن فصلها عن قناعة راسخة لدى ترامب وطاقمه بأن إيران تمثل "الصيدة الكبيرة" الأخيرة في الشرق الأوسط. فإضعافها أو تغيير نظامها يشكل، بنظرهم، مفتاح السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية على المنطقة.
ويعتقد الريان في حديثه مع "فلسطين أون لاين" أن مشروع الهيمنة الإسرائيلية يمثل الأساس الفعلي لهذا التوجه، حيث تعد إيران العقبة المركزية أمام فرض إسرائيل كقوة شرعية مهيمنة. ضرب إيران يعني، عمليا تحطيم أي قوة إقليمية ترى في (إسرائيل) عدوا استراتيجيا.
ويشير إلى أن الإدارة الأميركية لا تستثمر عسكريا وماليا بهدف التهديد فقط، بل لتحقيق إنجاز ملموس. فالثقافة السياسية الأميركية، وفق حديث الريان لـ "فلسطين أون لاين"، تعتبر أن أي حشد ضخم يجب أن يترجم إلى مكاسب فعلية تخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية معاً.
كما يربط الريان التصعيد الأميركي بمحاولة تحجيم نفوذ الصين وروسيا بشكل غير مباشر، عبر استهداف إيران بوصفها عقدة جيوسياسية وجغرافية واقتصادية محورية، تمتلك علاقات استراتيجية مع القوى الشرقية الصاعدة.
ويحذر من أن إخضاع إيران سيضع مقدراتها العلمية والاقتصادية في خدمة المشروع الأميركي – الإسرائيلي، ما يفتح الباب أمام تفكيك أي قوة عربية أو إسلامية لاحقا، ويكرس واقعا إقليميا قائما على الإملاءات والقوة الصلبة.
بين الردع والمناورة السياسية
من جهتها، تطرح د.لينا الطبال الخبيرة في الشؤون السياسية والقانونية، مقاربة أكثر توازنا، معتبرة أن التهديدات الأميركية تتأرجح بين الردع العسكري والمناورة السياسية، ولا يمكن تصنيفها حصرا كتمهيد لحرب شاملة في ظل الكلفة الباهظة لأي مواجهة مباشرة مع إيران.

الخبيرة في الشؤون السياسية والقانونية، د. لينا الطبال
تشير الطبال لـ"فلسطين أون لاين"، إلى أن إيران تمتلك قدرات دفاعية معقدة وشبكة حلفاء واسعة، ما يجعل أي حرب شاملة مرشحة للتحول إلى صراع إقليمي واسع يهدد أمن الطاقة العالمي، ويستنزف القدرات الأميركية في لحظة تنافس حاد مع الصين وروسيا.
وترى أن واشنطن تستخدم التهديد كأداة لمنع الحرب عبر التلويح بها، أي ضمن إطار "الدبلوماسية الخشنة"، مع إبقاء الخيار العسكري على الطاولة فقط في حال فشل كل المسارات السياسية وانكسار قواعد الاشتباك القائمة.
وتضيف أن ترامب يوظف التصعيد لفرض تسويات لم تكن ممكنة سابقا، دون الانجرار إلى حرب مفتوحة، مستهدفا انتزاع تنازلات استراتيجية من إيران وحلفائها، وتأمين نفوذ أميركي طويل الأمد بأقل كلفة مباشرة.
كما يخدم هذا التصعيد، وفق الطبال، أجندة ترامب الداخلية، حيث يقدم نفسه كقائد قوي قادر على حسم الملفات الدولية، في إطار خطاب "أميركا أولا"، واستثمار ذلك سياسيا في مواجهة خصومه داخل الولايات المتحدة.
غزة ولبنان واليمن في معادلة الضغط
يتفق الخبيران على أن التصعيد الأميركي مرتبط عضويا بتطورات غزة. فالريان يرى أن إخراج غزة من المعادلة العسكرية، عبر مسار سياسي شكلي، يهدف لتسويق فكرة أن السلام تحقق"، وأن إيران هي العقبة المتبقية أمامه.
وتشير الطبال إلى أن واشنطن تستخدم التصعيد لضمان عدم انهيار وقف إطلاق النار الهش في غزة، ومنع الأطراف الإقليمية من استغلال الهدنة لإعادة التموضع العسكري، ضمن مسعى لفصل جبهة غزة عن بقية الساحات.
ويرى الريان أن إضعاف حزب الله في لبنان، إلى جانب تحجيم دور اليمن، يمثل جزءا من معركة كسر أذرع إيران الإقليمية، تمهيدا لاستهداف المركز، أي طهران، بعد تفكيك ساحات الإسناد المحيطة بها.
اقرأ أيضًا: بزشكيان: أيُّ استهدافٍ للسيد خامنئي سيُعتبر حربًا شاملة ضدّ الشعب الإيراني
في المقابل، تؤكد الطبال أن صمود غزة والمقاومة أربك الحسابات الأميركية والإسرائيلية، وأعاد فرض القضية الفلسطينية كعامل مركزي في القرار الإقليمي، معطلا مشاريع الدمج الإقليمي لإسرائيل وفق الشروط الأميركية.
وتذهب إلى أن واشنطن تسعى لفرض معادلة ردع جديدة مفادها أن كلفة العودة للمواجهة ستكون باهظة، لإجبار الجميع على الانخراط في "اليوم التالي للحرب"، وفق تصور يضمن أمن إسرائيل أولاً وأخيراً.
النظام الدولي بين الاحتضار وإعادة التشكل
ويذهب الريان إلى أن العالم يشهد مرحلة اضطراب مؤقتة مرتبطة بشخصية ترامب، مرجحا عودة نسبية للنظام الدولي التقليدي بعده، لأن كلفة تدمير الاستقرار العالمي ستكون باهظة على الاقتصاد الأميركي نفسه.
ويرى أن معظم الدول، بما فيها الحلفاء، تتجنب تشكيل تحالفات تغضب واشنطن حاليا، خوفا من العقوبات الاقتصادية، مفضلة انتظار انتهاء مرحلة ترامب بأقل الخسائر الممكنة.
في المقابل، تعتبر الطبال أن ما يجري يمثل إرهاصات حقيقية لنهاية النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، بعد سقوط الهيبة الأخلاقية والقانونية للمؤسسات الدولية في عجزها عن وقف الحروب والإبادة.
وترى أن صمود غزة ولبنان كسر وهم السيطرة العسكرية المطلقة، وشجع قوى كالصين وروسيا على التحرك بثقة أكبر نحو عالم متعدد الأقطاب، مستند إلى توازنات جديدة لا تخضع لإرادة قوة واحدة.
وتخلص الطبال إلى أن الهيمنة الأميركية تتآكل بفعل التمدد العسكري والكلفة الداخلية، مؤكدة أن الشعوب المقاومة باتت عاملا حاسما في رسم النظام العالمي الجديد، حيث لم تعد الغطرسة قادرة على كسر إرادة الصمود.

