عدَّ الخبير الحقوقي علي هويدي، المدير العام للهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، أن الوضع الحقوقي في قطاع غزة، بعد مرور ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار، لا يمكن وصفه إلا أنه امتداد للحرب بوسائل أخرى، موضحًا أن وقف القتال لم يُترجم إلى حماية فعلية للمدنيين أو احترام لالتزامات الاحتلال القانونية، بل تزامن مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة بحق السكان.
وقال هويدي لصحيفة "فلسطين": إن “غزة تعيش اليوم مرحلة خطيرة يتداخل فيها وهم التهدئة مع واقع القتل اليومي، والاعتقالات، ومنع الإغاثة، وتدمير مقومات الحياة، في ظل غياب أي ضمانات دولية ملزمة لحماية المدنيين”. ورأى أن “وقف إطلاق النار، من منظور حقوقي، لم يتحول إلى وقف لانتهاك الحق في الحياة، ولا إلى مدخل للمساءلة أو العدالة، بل أتاح للاحتلال هامشًا أوسع لممارسة العنف خارج عناوين الحرب المباشرة”.
وأكد أن مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار كان يُفترض أن تشكّل فرصة لإعادة الاعتبار للقانون الدولي الإنساني، وضمان حقوق الضحايا، وفتح مسارات المحاسبة، “إلا أن ما جرى هو العكس تمامًا، حيث استمر الإفلات من العقاب، وتواصلت الخروقات دون رادع، ما جعل المدنيين في غزة يعيشون تحت تهديد دائم، وكأن الحرب لم تنتهِ فعليًا”.
استمرار خروقات الاحتلال
وحول استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ومواصلة جيش الاحتلال قتل المدنيين الفلسطينيين رغم الإعلان عن وقف الحرب، قال هويدي إن ذلك “يمثل انتهاكًا صارخًا ومضاعفًا للقانون الدولي الإنساني، ويرقى إلى مستوى الجرائم الدولية التي تستوجب المساءلة الفورية”.
وشدد على أن “وقف إطلاق النار لا يعني فقط تعليق العمليات العسكرية الواسعة، بل يفرض التزامات قانونية واضحة على قوة الاحتلال، أبرزها الامتناع الكامل عن استخدام القوة ضد المدنيين، وضمان حمايتهم، وعدم القيام بأي أعمال عدائية”.
وأشار إلى أن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، ولا سيما الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، تنص صراحة على تحريم القتل العمد، والمعاملة القاسية، والعقوبات الجماعية، سواء أثناء النزاع المسلح أو بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار. كما استشهد بالمادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل الحق في الحياة وتحظر الحرمان التعسفي منه في جميع الأوقات، بما فيها فترات ما بعد النزاع.
وأضاف هويدي أن “القانون الدولي العرفي، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يصنفان القتل العمد للمدنيين كجريمة حرب، وجريمة ضد الإنسانية إذا ارتُكب بشكل واسع أو منهجي، وهو ما ينطبق على الحالة الفلسطينية في غزة”. وشدد على أن “استمرار هذه الجرائم بعد وقف الحرب يكشف استخفاف الاحتلال بمنظومة القانون الدولي بأكملها، ويؤكد الحاجة الملحّة لتفعيل آليات المساءلة”.
وحول سبل المواجهة فلسطينيًا، رأى هويدي أن “المواجهة لا يجب أن تكون إعلامية أو سياسية فقط، بل قانونية ممنهجة أيضًا، عبر توثيق كل جريمة بشكل احترافي، وتقديم الملفات إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتعزيز العمل مع المقررين الخاصين للأمم المتحدة، إضافة إلى تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية في الدول التي تسمح قوانينها بمحاكمة مجرمي الحرب”. ودعا إلى وحدة الموقف الفلسطيني، وإنهاء حالة التردد في استخدام الأدوات القانونية الدولية المتاحة.
استهداف الأونروا
وفي ما يتعلق بإقدام دولة الاحتلال على هدم مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس المحتلة، وصف هويدي هذه الخطوة بأنها “سابقة خطيرة تمثل اعتداءً مباشرًا على مؤسسة أممية محمية بموجب القانون الدولي”.
وقال إن “استهداف منشآت الأونروا، ولا سيما في القدس، يندرج ضمن سياسة إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى إنهاء وجود الوكالة كشاهد قانوني على جريمة اللجوء الفلسطيني”. وأضاف أن “الأونروا تستمد شرعيتها من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302، وأي اعتداء على مقارها أو تقويض لعملها هو اعتداء على منظومة الأمم المتحدة نفسها”.
ورأى أن الاحتلال يسعى، من خلال هذه الخطوات، إلى فرض روايته القائلة إن قضية اللاجئين انتهت، وإسقاط حق العودة من أي حل سياسي مستقبلي، عبر تجفيف عمل الوكالة وتشويه صورتها.
مجلس السلام العالمي
أما بشأن ما يُسمى “مجلس السلام العالمي”، فانتقد هويدي هذا الكيان بشدة، معتبرًا أنه “ليس إطارًا للسلام، بل منصة سياسية خطيرة لتبييض الجرائم الإسرائيلية وتكريس التطبيع، ومنح الاحتلال الإفلات من العقاب”.
وأشار إلى أن “دعوة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية على خلفية جرائم حرب، ليكون عضوًا في هذا المجلس، تمثل إهانة صريحة لمفهوم العدالة الدولية، ورسالة مفادها أن ارتكاب الجرائم لا يمنع من مكافأة مرتكبيها”.
وأكد أن “السلام لا يمكن أن يُبنى مع مجرمي حرب من دون محاسبة، وأي محاولة للقفز عن العدالة تحت شعارات براقة ستقود إلى تكريس منطق القوة، لا إلى سلام حقيقي”، مضيفًا أن “مثل هذه المجالس تتجاهل جذور الصراع، وتتعامى عن الاحتلال والاستعمار الاستيطاني، وتحاول تسويق التطبيع بوصفه حلًا، بينما هو في الواقع تكريس للظلم”.
تصاعد التضامن مع غزة
وعن تصاعد التضامن الدولي مع غزة، ولا سيما في أوروبا، رأى هويدي أن هذا التحول “يمثل تطورًا نوعيًا في الوعي العالمي، حيث لم يعد التضامن يقتصر على المواقف الأخلاقية، بل بات يتجسد في مطالب سياسية وقانونية، أبرزها وقف توريد السلاح لإسرائيل”.
وأشار إلى أن القانون الدولي، بما فيه معاهدة تجارة الأسلحة، يحظر على الدول تصدير السلاح إذا كان هناك خطر واضح من استخدامه في ارتكاب جرائم حرب، “وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة الإسرائيلية”.
وأضاف أن “الضغط الشعبي في الدول الأوروبية بدأ ينعكس على قرارات بعض الحكومات والبرلمانات، سواء عبر تعليق صفقات سلاح أو فتح نقاشات قانونية حول المسؤولية المشتركة”، مؤكدًا أن “استمرار هذا الزخم التضامني يمكن أن يشكل عامل ضغط حقيقي يعيد الاعتبار للقانون الدولي، ويحد من حالة الحصانة السياسية التي تمتعت بها إسرائيل لعقود”.
واختتم هويدي حديثه بالقول إن “القضية الفلسطينية اليوم تقف عند مفترق طرق: إما انتصار القانون الدولي وحقوق الإنسان، أو انهيارهما أمام منطق القوة. وما يجري في غزة سيكون اختبارًا حاسمًا، ليس فقط لمستقبل فلسطين، بل لمصداقية النظام الدولي برمته”.