فلسطين أون لاين

خرجا ليشعلا نار الخيمة… فعادا صامتين إلى الشفاء

محمد وسلمان.. طفولتان أنهكتهما الحرب وخطفهما صاروخ

...
من وداع الشهيدين محمد وسلمان، اللذان ارتقيا برصاص جيش الاحتلال
غزة / جمال غيث:

في ساحة مجمع الشفاء الطبي، لم يكن هناك ما يشبه المستشفى. لا عجلة إسعاف، ولا صخب طوارئ، فقط رجل منكفئ على الأرض، يضم جسد طفل، ويشدّه إلى صدره كما لو أن العناق قد يهزم الموت.

يوسف الزوارعة لم يكن يبكي فقط، كان يناشد. يناشد ابنه محمد، (15 عامًا)، أن يستيقظ، أن يفتح عينيه، أن يعود معه إلى الخيمة.

«قوم يا محمد… أمك وأخواتك ينتظرنك، من سيجمع الحطب؟ من سيجلب الخبز؟»

كان يهمس بالكلمات ويكررها، وكأن الصوت وحده قادر على إرجاع الحياة إلى جسد غطّاه الكفن الأبيض.

photo_2026-01-25_19-56-57 (4).jpg
 

محمد، الابن الوحيد، جاء بعد سنوات طويلة من الانتظار، وكان سند العائلة بعد أن دُمّر منزلهم خلال الحرب. لم يعرف من طفولته سوى النزوح والجوع، ولم يحمل في يده يوم خروجه سوى كيس قماشي صغير وأصابع نحيلة اعتادت التقاط الحطب.

إلى جواره، يرقد جسد آخر، بالكفن ذاته والصمت ذاته. سلمان، ابن شقيق يوسف، 13 عامًا، رفيق محمد الدائم. ينظر الأب المكلوم إلى الجثمانين، ثم يعود بنظره إلى الفراغ، وكأن قلبه انشطر بين طفلين.

«لماذا استُهدفوا؟ ماذا فعلوا؟» يقول وهو يشير إليهما، قبل أن ينحني ويقبّل جبين محمد، هامسًا: «كيف أعود وحدي إلى الخيمة؟».

photo_2026-01-25_19-56-57.jpg
 

قبل ساعات فقط، خرج محمد وسلمان من محيط الخيام المنصوبة قرب منزل العائلة في محيط مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة، كعادتهما اليومية، لجمع الحطب لإشعال النار وطهي الطعام، في ظل انعدام الوقود والكهرباء. لم يكونا قريبين من موقع عسكري، ولم يشكلا خطرًا على أحد.

لكن طائرة إسرائيلية مسيّرة كانت تحلق في السماء. خلال لحظات، أُطلق صاروخ باتجاه المكان، ليسقط الطفلان على الفور، ويمزق جسديهما الصغيرين بشظاياه.

تفاصيل الاستهداف

وبحسب مصادر طبية، استشهد الفتيان محمد يوسف الزوارعة (15 عامًا) وسلمان زكريا الزوارعة (13 عامًا) جراء قصف من طائرة إسرائيلية مسيّرة قرب مستشفى كمال عدوان، ظهر أمس، في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وأكدت المصادر إصابة عدد من الفلسطينيين جراء القصف ذاته، نُقلوا إلى مجمع الشفاء لتلقي العلاج.

ويقف محمد الزوارعة، شقيق الشهيد سلمان، قرب الجثمان، عيناه محمرتان، وصوته بالكاد يُسمع. يقول لصحيفة "فلسطين": «ذهب أخي ليجمع الحطب مع ابن عمي، فعادا محمولين والدماء تغطي جسديهما. شظايا الصاروخ مزقت جسدهما، كانا طفلين… فقط طفلين».

ويضيف: «نحن نسكن قرب مستشفى كمال عدوان، وأهلي نازحون في الزوايدة. أخي وابن عمي يخرجان يوميًا لجمع الحطب، لم يؤذيا أحدًا».

منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، قُتل 477 فلسطينيًا وأُصيب 1301 آخرون، نتيجة الخروقات الإسرائيلية المتكررة، وفق إحصاءات رسمية.

كما أسفرت حرب الإبادة الجماعية المتواصلة على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن استشهاد أكثر من 71 ألف فلسطيني، وإصابة ما يزيد على 171 ألفًا، وتدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية.

في ساحة الشفاء، يُغلق الكفن على جسدين صغيرين، وتُطوى صفحة جديدة من طفولة غزة المبتورة.

لم يحمل محمد وسلمان حجرًا ولا سلاحًا، خرجا فقط ليشعلا نار الخيمة، فعادا محمولين على أكتاف الحزن.

أما يوسف، فبقي جاثيًا للحظة أطول، ينادي اسم ابنه مرة أخيرة… ثم نهض ببطء، كمن يعود إلى وطنٍ لم يتبقَّ منه سوى خيمة وذاكرة.

المصدر / فلسطين أون لاين