في ساحة إحدى المدارس الحكومية في حي الرمال، غربي مدينة غزة، لم يعد صوت الجرس المدرسي هو ما يجذب الأطفال، بل قرقعة أواني الطعام المعدنية، وصراخ متداخل لعشرات المواطنين الذين اندفعوا دفعة واحدة نحو إناء طعام ساخن وصل للتو.
الإناء الذي احتوى على الأرز والقليل من اللحم تحول إلى نقطة جذب، لا لكونه وجبة عادية، بل لأنه استثناء نادر في واقع باتت فيه لقمة الطعام حلمًا يوميًا، يتصارع عليه الأطفال قبل الكبار، في مشهد يلخص عمق الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة.
وتحولت المدارس في قطاع غزة من مكان للتعليم إلى مراكز إيواء مكتظة بمئات آلاف النازحين، بعدما دُمرت منازلهم وأُجبروا على النزوح القسري، فيما أصبحت "التكيات" شريان الحياة الوحيد لتلك العائلات.
لا يكفي الجميع
وسط الزحام، كان الطفل محمد قنوع (12 عامًا)، من حي الشجاعية شرقي المدينة، يحمل بين يديه وعاءً بلاستيكيًّا صغيرًا، بالكاد يحتوي على مكيال من الأرز. يقول محمد، بصوت يخالطه التعب: "آتي كل يوم إلى هنا لأحصل على الطعام لعائلتي المكونة من سبعة أفراد. والدي لا يعمل، ولا يوجد لدينا طعام غير ما نحصل عليه من التكية. إذا لم نأتِ، لا نأكل".
يضيف محمد وهو ينظر إلى الإناء بين يديه: "اليوم الطعام أرز مع لحم، وهذه وجبة دسمة بالنسبة لنا. الأولاد يتدافعون لأن اللحم نادر، والجميع يأتي أملاً في الحصول عليه، وغالبًا لا تكفي الكمية للجميع"، مشيرًا إلى أن الأيام الأخرى لا تشهد هذا التزاحم حيث تتكرر وجبات الطعام المقدمة.
وتتنوع الوجبات التي تقدمها هذه التكيات بين الأرز والعدس والمعكرونة والفاصولياء، فيما تبقى اللحوم نادرة الحضور، لا تظهر إلا في أيام قليلة، فتتحول إلى حدث استثنائي ينتظره الصغار بلهفة. ومع ذلك، تبقى الكميات محدودة، لا تكفي في كثير من الأحيان لسد جوع العائلات.
على بعد أمتار قليلة، وقفت الطفلة ليان أبو العطا، البالغة من العمر 11 عاماً، بجسدها النحيل وسط الزحام. كانت تمسك بإناء معدني، وتنتظر منذ ساعات الصباح الأولى وصول التكية. تقول ليان: "أنتظر كل يوم حتى يأتي الطعام، لأخذه إلى عائلتي. نعيش في خيمة قريبة، ولا يوجد لدينا شيء نطبخه"، مشيرة إلى أنها "أحياناً ننتظر طويلاً، وأحياناً ينفد الطعام قبل أن نصل".
مصدر أساسي للطعام
ولا تقتصر المعاناة على الأطفال وحدهم. حسن حمد، أحد المواطنين الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه التكيات، يقول لـ"فلسطين"، إن الوجبة التي يحصل عليها باتت المصدر الأساسي لطعامه وطعام عائلته. ويضيف بأسى: "في كثير من الأحيان لا أتمكن من الحصول على وجبة، لأن الطعام المتوفر لا يكفي الجميع".
ويشير حمد إلى أن الوجبات المقدمة تعتمد في الغالب على النشويات مثل الأرز، وتفتقر إلى اللحوم والبروتينات الضرورية، ما يجعلها غير كافية لتلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية، خصوصًا للأطفال وكبار السن.
السيدة الثلاثينية أم أحمد، وهي أم لأربعة أطفال من بلدة بيت حانون شمالي القطاع، تروي مأساة تتكرر كل يوم. تقول لـ"فلسطين": "لا أملك غير الخبز وبعض المعلبات لإطعام أطفالي. آتي يومياً إلى التكية لأنه لا يوجد بديل لنا".
تعيش هذه الأم مع عائلتها في خيمة من النايلون بعد أن دُمر منزلهم في بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، وتؤكد أن وجود الطعام في الأسواق لا يعني القدرة على شرائه: "الأسعار مرتفعة جداً، وزوجي لا يعمل منذ بداية الحرب بعد أن فقد مصدر رزقه. لم يعد لدينا ما نسد به رمق أطفالنا سوى هذه التكيات".
وتشير إلى أنها تضطر للوقوف ساعات طويلة، تحت الشمس أو البرد، في انتظار دورها: "أحياناً نعود بكمية قليلة، لكنها تبقى أفضل من الجوع"، تقول بصوت خافت. وتضيف: "لولا التكية، لما أكلنا شيئاً. حتى هذه الوجبة القليلة تمنحنا فرصة للعيش ".
الثلاثاء الماضي، أكد برنامج الأغذية العالمي، أن الوضع الغذائي في قطاع غزة لا زال شديد الهشاشة رغم توسيع نطاق عمليات الإغاثة منذ وقف إطلاق النار، وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر: إن سكان قطاع غزة يواجهون معاناة شديدة، وأنهم بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
ورغم انتهاء الإبادة بدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، فإن الأوضاع المعيشية لم تشهد تحسنًا كبيرًا، بسبب تنصل (إسرائيل) من الإيفاء بالتزاماتها التي نص عليها الاتفاق، بما فيها إدخال الكميات المتفق عليها من المواد الغذائية والإغاثية والطبية، والبيوت المتنقلة، وفتح المعابر.
وعلى مدى عامين، خلّفت الإبادة الإسرائيلية بدعم أمريكي في غزة أكثر من 71 ألف شهيد و171 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، ودمارًا طال نحو 90 بالمائة من البنى التحتية المدنية، مع تكلفة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.

