فلسطين أون لاين

حين تُغتال الكلمة.. غزة تودّع صحفييها

...
الصحفيون الشهداء
خانيونس/ تامر قشطة:

لم يكن صوت الكاميرا أعلى من صوت الصاروخ، لكن الصورة بقيت. في غزة، حيث تُقاس الأيام بعدد الشهداء، صار للصحفيين عدّادٌ خاص؛ أسماء تُضاف تباعًا إلى سجلٍ مفتوح من الفقد، وحقائب تُغلق على عجل، وعدسات تتكسّر ولا تنكسر الحقيقة.

في صباحٍ مثقلٍ بالدخان، شيّعت غزة ثلاثة من أبنائها الصحفيين. لم يكونوا مجرد ناقلين للخبر؛ كانوا شهودًا عليه. خرجوا ليؤدوا واجبهم المهني والإنساني، فعادوا محمولين على الأكتاف، بينما بقيت دفاتر الملاحظات مفتوحة على جملة لم تكتمل.

الكاميرا هدف مباشر

وفق إفادات ميدانية، استُهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية مركبة الصحفيين أثناء أداء عملهم في وسط القطاع، في مشهدٍ يختصر سياسة ممنهجة لتحييد شهود الجرائم. لم يكن المكان ساحة اشتباك، ولم تكن اللحظة عابرة. كان الاستهداف مباشرًا، واضح الرسالة: إسكات الكلمة قبل أن تصل.

زملاؤهم يقولون إنهم اعتادوا الخطر، لكنهم لم يعتادوا الاعتياد عليه. «نخرج لأن الناس تنتظر الحقيقة»، يقول أحدهم، وهو يمسح غبار الركام عن عدسة نجت بأعجوبة. «نعرف أن الصورة قد تكون الأخيرة، لكن الصمت أخطر».

في مشرحة مجمع ناصر الطبي في خانيونس، امتزجت رائحة المطهّرات بدموع العائلات. أمٌّ تُعدّل خوذة ابنها للمرة الأخيرة، وزوجة تُمسك ببطاقته الصحفية كأنها تعويذة نجاة لم تنجح. لا أسئلة هنا؛ فالأسئلة ترفٌ لا وقت له. الوقت كلّه للوداع.

أطفال الصحفيين لا يفهمون معنى الاستهداف ولا مواثيق الحماية الدولية. يفهمون فقط أن الأب لن يعود، وأن البيت صار أوسع من اللازم. «قال لي سأعود سريعًا»، تهمس طفلة، «لم يقل متى».

مهنة تحت النار

لم تعد الصحافة في غزة مهنة فحسب؛ صارت خط تماس. سترات الحماية لا تحمي، والوسوم الصحفية لا تشفع. ومع كل استهداف، يتكرّس واقع الإفلات من العقاب، وتتآكل فكرة الحصانة المدنية للصحفيين، رغم وضوح القوانين الدولية التي تضمن حمايتهم.

منظمات حقوقية طالبت مرارًا بتحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين، لكن النداءات تتراكم بلا أثر، فيما يتراكم الغياب في البيوت وغرف الأخبار.

بعد الجنازة، عاد زملاؤهم إلى الميدان. ليس عنادًا، بل وفاءً. أعادوا شحن البطاريات، مسحوا العدسات، وكتبوا أسماء الشهداء أعلى الصفحات. «إذا توقّفنا، انتصر القاتل مرتين»، يقول مصوّر شاب وهو يلتقط صورة لسماءٍ مثقوبة.

في غزة، تُغتال الكلمة، لكن لا تُدفن. كل شهيدٍ صحفي يترك خلفه صورة ناقصة، ويترك لنا واجب إكمالها. الحقيقة هنا لا تموت؛ تتألّم، ثم تمضي.

المصدر / فلسطين أون لاين