منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش قطاع غزة في ظلام شبه كامل، عقب تدمير محطة توليد الكهرباء الوحيدة وتوقفها عن العمل، إلى جانب تعطّل خطوط التغذية الخارجية. ومع غياب أي مصدر منتظم للكهرباء، تحولت الأزمة من مشكلة خدمية إلى كارثة إنسانية تمسّ تفاصيل الحياة اليومية، وتنعكس على مختلف القطاعات الصحية والمائية والتعليمية والخدمية.
في هذا الفراغ القاتم، برزت المولدات الخاصة كحلّ اضطراري فرض نفسه على السكان، لتصبح المصدر شبه الوحيد للكهرباء في الأحياء السكنية، وسط غياب التنظيم، وارتفاع الأسعار، وتفاوتها من منطقة إلى أخرى.
بدائل قسرية
اضطر آلاف المواطنين إلى الاشتراك بخطوط كهرباء تمدّها شركات وأصحاب مولدات خاصة، في ظل انعدام البدائل الأخرى، مثل الطاقة الشمسية أو البطاريات، وغياب نقاط شحن قريبة في كثير من المناطق، لا سيما مع اتساع رقعة النزوح.
مازن عجور (43 عامًا)، نازح يقيم منذ شهرين في شارع الصحابة بحي الدرج شرقي مدينة غزة، يقول إنه اضطر للاشتراك بخط كهرباء من أحد المولدات الخاصة، رغم التكلفة المرتفعة.
ويقول عجور لصحيفة "فلسطين": "سعر كيلو الكهرباء عندي 25 شيقلًا، وفي نهاية العام الماضي كنت أدفع 30 شيقلًا، وهو سعر مرتفع جدًا مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، حين لم يتجاوز ثلاثة شواقل".
ويشير إلى تفاوت الأسعار بين مناطق متجاورة، مضيفًا: «أخي يقطن في بيت إيجار في الشارع الخلفي يدفع 20 شيقلًا للكيلو، ولا أحد يعرف سبب هذا الفرق».
ويؤكد أن اضطراره للاشتراك نابع من غياب أي خيار آخر، قائلًا: «لا أملك طاقة شمسية ولا بطاريات، ونقاط شحن الهواتف بعيدة عن البيت. استخدامي للكهرباء يقتصر على شحن هاتفين وكشاف للإنارة ليلًا، ومع ذلك يُفرض عليّ حد أدنى للدفع قدره 50 شيقلًا أسبوعيًا، سواء استهلكت أم لا».
خدمة متذبذبة
أما براء المشهراوي (38 عامًا)، من سكان شارع الوحدة بمدينة غزة، فيشير إلى أن معاناته لا تقتصر على ارتفاع السعر، بل تمتد إلى سوء الخدمة.
ويقول المشهراوي لـ«فلسطين»: «أدفع 20 شيقلًا للكيلو، لكن الكهرباء تنقطع أكثر من خمس مرات يوميًا بشكل مفاجئ، ما تسبب بتلف شواحن ووصلات الهواتف أكثر من مرة».
ويضيف: «أشتكي كثيرًا لصاحب المولد، لكن الرد دائمًا: مش عاجبك افصل الخط».
غياب التنظيم
ويؤكد المشهراوي أن غياب المنافسة يزيد من سوء الوضع، موضحًا أن كل شركة مولدات تسيطر على منطقة بعينها، ولا يُسمح لشركة أخرى بالعمل في المكان نفسه، ما يترك المواطن دون أي بديل حقيقي.
في وسط قطاع غزة، يقول هيثم إسليم (48 عامًا)، نازح في منطقة الزوايدة منذ أربعة أشهر، إن الأسعار في منطقته شهدت انخفاضًا تدريجيًا.
ويقول إسليم لصحيفة «فلسطين»: «في البداية كنت أدفع 25 شيقلًا للكيلو، ثم انخفض السعر إلى 20 شيقلًا، وحاليًا أدفع 15 شيقلًا، لكنه ما زال مرتفعًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة».
دمار واسع
وتؤكد تقارير دولية وأممية أن قطاع الكهرباء في غزة تعرّض لدمار واسع منذ بداية الحرب، شمل محطة التوليد، وخطوط النقل، وشبكات التوزيع، والمخازن، والمعدات الفنية، ما أدى إلى انهيار شبه كامل لمنظومة الكهرباء في القطاع.
وحذّرت منظمات دولية من أن استمرار انقطاع الكهرباء يهدد عمل المستشفيات، ومحطات تحلية المياه، ومضخات الصرف الصحي، وقطاع الاتصالات، معتبرة أن الكهرباء باتت شريان حياة لا غنى عنه لضمان الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية.
من جهته، أوضح مدير العلاقات العامة والإعلام في شركة توزيع كهرباء غزة، محمد ثابت، أن الشركة لا تمتلك مولدات كهرباء كتلك التي تشغلها شركات القطاع الخاص، لكنها تمتلك الطواقم الهندسية والفنية القادرة على تقدير الاحتياجات والتكاليف التشغيلية المتعلقة بالكهرباء.
وقال ثابت لـ«فلسطين» إن شركة توزيع الكهرباء قدمت احتياجات تتعلق بطلب مولدات كهرباء متنقلة، يمكن استخدامها لإنارة مراكز الإيواء وتشغيل آبار المياه ومضخات الصرف الصحي، وقدمت هذه الاحتياجات كمشاريع ضمن مرحلة التعافي المبكر، إلى حين إعادة إعمار شبكات الكهرباء.
وأكد أن ملف المولدات وتنظيمها وأسعارها لا يقع ضمن مسؤولية شركة توزيع الكهرباء، بل هو من اختصاص سلطة الطاقة الفلسطينية، موضحًا: «نحن لسنا الجهة المسؤولة عن تنظيم قطاع المولدات أو تحديد أسعارها أو التعامل مع شكاوى المواطنين».
وأضاف ثابت: «نؤكد أن هذا القطاع يجب أن يُنظَّم، وأن تكون أسعاره موحدة ومخفّضة، بحيث يستطيع المواطن العادي تحمّلها، لكن في ظل غياب قانون ناظم وجهة قادرة على فرضه، يبقى المواطن مستنزفًا ماديًا ونفسيًا».
وأشار إلى أن المواطن في غزة فقد كل ما يملك خلال الحرب، ولم يعد قادرًا على تحمّل تكاليف الاشتراك في المولدات الخاصة، التي تخدم في الغالب القادرين على الدفع.
وأوضح أن شركات المولدات هي شركات خاصة أو أصحاب رؤوس أموال استثمروا في شراء المولدات وتمديد شبكاتها بهدف تحقيق الربح، مع وجود بعض المبادرات المحدودة التي شملت إنارة شوارع أو تقديم خدمات مجتمعية جزئية.
وشدد ثابت على أن شركة توزيع الكهرباء أكدت في أكثر من مناسبة، عبر بيانات ومؤتمرات صحفية، أن الكهرباء حق أساسي من حقوق الإنسان، وأن توفيرها من مصادرها الرئيسية يعني عودة الحياة تدريجيًا إلى قطاع غزة.
وأضاف: «وجود الكهرباء يعني وجود الحياة؛ تشغيل المياه، والصحة، والتعليم، والخدمات، وعودة الأمل للمواطن».
وختم بالقول إن المولدات حلول مؤقتة وليست طويلة الأمد، وإن الحل الحقيقي يتمثل في إعادة تشغيل شبكات الكهرباء، وإعمار البنية التحتية، وتوفير التيار الكهربائي من مصادره الأساسية لكافة المواطنين والمرافق الحيوية.