فلسطين أون لاين

تحليل "بساط الشرعية" بين لجنة التكنوقراط وتخوفات السلطة في رام الله

...
أعضاء لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي ستتولى إدارة شؤون قطاع غزة
غزة/ عبد الرحمن يونس:

بعد أن حازت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المعروفة باسم لجنة التكنوقراط، على توافق وطني ودولي واسع، ظهرت تخوفات واضحة لدى قيادة السلطة وحركة فتح من أن تتحول اللجنة إلى سلطة بديلة تقوض نفوذها، ما دفعها إلى اتخاذ خطوات عملية لمحاصرة تأثيرها، بما في ذلك تحريك الذباب الإلكتروني والهجوم الإعلامي على اللجنة، في محاولة لتقليل حضورها السياسي وتحد من قدرتها على فرض نفسها في الساحة الفلسطينية.

وكشفت منصة "خليك واعي" الأمنية أن السلطة الفلسطينية استغلت الذباب الإلكتروني وحملات الإعلام الموجه لمحاولة تقويض سمعة اللجنة والتأثير على الرأي العام الفلسطيني، وأظهرت متابعة أن نشاط هذه الحسابات ركز على استدعاء الخلافات وتصعيد خطاب التحريض، وإظهار اللجنة على أنها تهدف للقضاء على المقاومة، في محاولة لإثارة المخاوف وتعميق الانقسام بين الفصائل والجماهير.

بدوره أكد الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن الإعلام التابع لحركة فتح والسلطة بدأ حملة هجومية على الإدارة الجديدة بمجرد أن تبيّن له أن اللجنة لم تعد مجرد إطار مؤقت، بل كيان فاعل ويمتلك علاقات قوية مع الولايات المتحدة وعدد من القوى الإقليمية المؤثرة، ما منحها وزنًا يفوق نفوذ السلطة التقليدية في رام الله.

وقال المدهون لصحيفة "فلسطين": "نحن اليوم أمام مرحلة جديدة، الجميع في مركب واحد، والجميع مستهدف. السلطة الفلسطينية تتجه نحو التهميش والإضعاف والتلاشي، وواقع الضفة الغربية مقبل على تغييرات عميقة، بينما لا يزال الوعي الرسمي بهذه التحولات محدودًا."

وأضاف المدهون أن غياب الفلسطينيين عن المجلس التنفيذي لمجلس السلام، الذي حضره وزراء خارجية تركيا ومصر وشخصية قطرية بارزة، يؤكد استبعادهم عمدًا عن ترتيبات المرحلة المقبلة. فقد تم إسقاط اسم فلسطيني مطروح للتمثيل، رغم أنه رجل أعمال ذو ثقل لا ينتمي للسلطة، بفعل الفيتو الإسرائيلي، ما يعكس استمرار محاولات إقصاء الفلسطينيين عن صياغة المستقبل السياسي للقطاع.

وفي السياق ذاته، أكدت الكاتبة والمحللة السياسية جورجيت شرقاوي أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة لم تعد مجرد ترتيب إداري، بل خط المعركة الأول لتحديد شكل النظام السياسي الفلسطيني بعد الحرب.

وأوضحت شرقاوي في مقال نشرته أمس، أن السلطة الفلسطينية تخشى تحوّل اللجنة إلى بديل عنها، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة للتدخل المباشر في غزة دون ضمانات سياسية وأمنية، ما جعل الأطراف الضامنة، وعلى رأسها مصر والولايات المتحدة، تفضل نموذج إدارة انتقالية مستقلة نسبيًا، تشبه "آلية إعادة الإعمار 2014"، مع دور دولي قوي لإدارة غزة دون تكلفة أمنية مباشرة، ودون صدام مع السلطة أو حماس.

وأشارت إلى أن الوضع الحالي يخلق حالة هجينة: لا سلطة فلسطينية كاملة، ولا انفصال معلن، ولا وصاية دولية رسمية، مع احتمالية تطور المشهد في اتجاهين، إما الاندماج التدريجي عبر ربط اللجنة رسميًا بالحكومة الفلسطينية الجديدة، أو استمرار اللجنة بالعمل بمعزل عن مؤسسات السلطة، ما يؤدي خلال فترة قصيرة إلى نشوء إدارة مستقلة فعليًا لغزة، حتى وإن لم يُعلن عنها رسميًا.

وبحسب شرقاوي، فإن السلطة أمام ثلاثة خيارات استراتيجية: الاحتواء المبكر للجنة عبر ربطها مؤسسيًا بالوزارة أو مكتب رئيس الوزراء، وهو خيار يحفظ وحدة النظام السياسي لكنه يتطلب إرادة فلسطينية واضحة ودعم دولي؛ أو تشكيل حكومة تكنوقراط كاملة تتسلم إدارة الضفة وغزة معًا، وهو ما يخلق مظلة وطنية تمنع تحول اللجنة إلى كيان مستقل، لكنه يحتاج لموافقة الفصائل الكبرى، لا سيما فتح؛ أما الخيار الثالث، فهو الانتظار وتجنب الانخراط المباشر، وهو الأخطر لأنه يترك المجال للهندسة الدولية لمستقبل غزة ويزيد من تآكل السلطة الفلسطينية تدريجيًا.

ويخشى المحللان أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى إضعاف قدرة اللجنة على إدارة المرحلة الإنسانية والإدارية في غزة، وإلى تفاقم الانقسامات الداخلية، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى وحدة فلسطينية واستقرار سياسي لدعم جهود إعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، مؤكدا أن النجاح المستقبلي للجنة مرتبط بقدرتها على العمل ضمن بيئة سياسية مستقرة، وبضمانات سياسية وأمنية من القاهرة وواشنطن، فضلاً عن تعاون فلسطيني داخلي يضمن عدم الانزلاق نحو مزيد من الانقسام والصراع على النفوذ.

ويتفق المحللان وغيرهم ان لجنة التكنوقراط في غزة اليوم أكثر من مجرد إدارة طارئة، فهي تمثل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني، ومدى قدرة السلطة على التكيف مع واقع جديد يحاول المجتمع الدولي تكريسه، ويشكل فرصة لتعزيز فعالية الإدارة وتوحيد الجهود، أو تهديدًا لاستمرار هيمنة السلطة التقليدية، بحسب المواقف الفلسطينية الرسمية والتحليلات السياسية.

 

المصدر / فلسطين أون لاين