قائمة الموقع

خمسة طوابق من الألم… إبادة عائلة عوض في الشيخ رضوان

2026-01-21T07:46:00+02:00
يقف فارس عوض بين طواقم الدفاع المدني ينتظر انتشال رفات أشقائه وأقاربه الذين ما زالوا عالقين تحت الأنقاض (تصوير: فلسطين أون لاين)
فلسطين أون لاين

يقف فارس عوض صامتًا أمام ركام منزلٍ لم يعد يشبه شيئًا من ماضيه، يراقب بحزنٍ ثقيل تحركات طواقم الدفاع المدني وهم يحفرون بين أكوام الإسمنت والحديد بحثًا عن رفات أشقائه وأقاربه الذين ما زالوا عالقين تحت الأنقاض منذ أكثر من عامين.

عيناه المرهقتان لا تفارقان المكان، وكأنهما تحاولان التقاط آخر ملامح الأحبة الذين غيّبتهم صواريخ الاحتلال الإسرائيلي دون وداع.

في السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتحديدًا قرابة الساعة الثالثة عصرًا، استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي من طراز "إف-16" منزل عائلة عوض الكائن في الشارع الثالث بحي الشيخ رضوان شمال غرب مدينة غزة.

صاروخان تدميريان كانا كفيلين بتحويل المنزل المكوّن من خمسة طوابق إلى كومة ركام، ودفن عشرات الأرواح تحته في لحظات.

خمس طبقات من الألم

يقول فارس عوض (46 عامًا) بصوت يختلط فيه الألم بالغضب: "في تلك اللحظة استشهد 84 فردًا من عائلتنا، معظمهم من النساء والأطفال، وتمكنا في الأيام الأولى من انتشال نحو 20 شهيدًا فقط، بينما بقي قرابة 64 جثة عالقة تحت الأنقاض، ولم نتمكن من الوصول إليهم بسبب الخطر وشدة القصف وانعدام الإمكانيات".

ويشرح عوض لـ "فلسطين أون لاين" أن المنزل كان مقامًا على مساحة 250 مترًا مربعًا، ويتكون من خمسة طوابق تضم عشرة شقق سكنية، تقطنها العائلة إلى جانب عدد من النازحين الذين لجأوا إليهم هربًا من القصف.

ويضيف الستيني فارس، وهو يشير بيده إلى عمق الركام: "كنا نظن أن الطابق الأرضي أكثر أمانًا، لذلك تجمع فيه العدد الأكبر من أفراد العائلة، لكنه تحول إلى مقبرة جماعية".

لم يكن هذا المنزل الملجأ الأول للعائلة، ويضيف عوض أن العائلة كانت نازحة بين منزلين في حي الشيخ رضوان، أحدهما قرب مفترق الجسر، وبعد استهداف ذلك المنزل، اضطرت للعودة إلى بيتها في الشارع الثالث، حيث كان المصير أكثر قسوة.

وينتمي فارس إلى عائلة مكوّنة من سبعة أبناء وبنتين. في ذلك القصف، استشهد شقيقه فتحي مع زوجته وأبنائه، وشقيقه خالد مع زوجته وأطفاله بالكامل، وكذلك شقيقه أنور وزوجته وأبناؤه وأحفاده، أما شقيقه عمر فكان نازحًا في جنوب القطاع، ولم يتمكن من العودة بسبب إغلاق الاحتلال للطرق، فبقي وحيدًا بعد استشهاد أسرته كاملة.

وتابع قائلاً بأسى: "ثلثا العائلة محيت من السجل المدني في دقائق".

البحث عن الرفات

بعد مرور عامين على القصف، عاد الأمل الحزين إلى المكان مع بدء طواقم الدفاع المدني عمليات البحث عن الرفات. منذ يوم الاثنين، يعمل رجال الدفاع المدني بوسائل بدائية، مجارف وأدوات يدوية، في محاولة الوصول إلى ما تبقى من الشهداء.

ويؤكد فارس أنه حتى اللحظة لم يتم انتشال أي جثمان بسبب سماكة الركام وكثرة الأحجار، مرجحًا أن العملية ستستغرق وقتًا طويلًا.

لا يبتعد كثيرًا عن فارس، محمد عوض، الذي فقد زوجته وأطفاله تحت الركام، ويراقب بصمت كل حركة لرجال الإنقاذ، وكأن عينيه تبحثان عن معجزة. يقول لمراسلنا بصوت مخنوق: "خرجت من المنزل قبل دقائق من القصف لجلب بعض الاحتياجات، وما إن ابتعدت نحو خمسين مترًا حتى شاهدت الصواريخ تهوي… في لحظة واحدة فقدت كل شيء".

إمكانيات بدائية وإنسانية لا تنكسر

من جهته، يوضح مدير الطواقم الميدانية في الدفاع المدني بمحافظة غزة، إبراهيم أبو الريش، أن الطواقم تعمل منذ أيام على انتشال رفات شهداء عائلة عوض، مشيرًا إلى أن أكثر من 55 شهيدًا ما زالوا تحت الأنقاض.

ويقول أبو الريش لـ"فلسطين أون لاين": "نعمل بإمكانيات بدائية ومعدات متهالكة، رغم خطورة الموقع وتعقيد المهمة". ويضيف أن جهاز الدفاع المدني خاطب جميع الجهات الإنسانية والدولية لتوفير المعدات الثقيلة اللازمة، لكن النداءات لم تلقَ استجابة حتى الآن.

ويؤكد: "رغم ذلك، لن نتوقف، واجبنا الإنساني والديني يحتم علينا انتشال الشهداء ودفنهم وفق الشريعة الإسلامية مهما كانت الصعوبات".

مأساة أوسع في القطاع

لا تقتصر مأساة عائلة عوض على هذا المنزل فقط، فبحسب الدفاع المدني، لا يزال أكثر من 10 آلاف شهيد تحت أنقاض المنازل المدمرة في قطاع غزة، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب.

ومنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أميركي، حرب إبادة جماعية في القطاع، شملت القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري والاعتقال، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف العدوان.

وأسفرت هذه الإبادة عن أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى ما يزيد على 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة حصدت أرواح كثيرين، في وقتٍ مُحيت فيه أحياء ومدن بأكملها من خريطة القطاع.

وسط هذا الخراب، يبقى فارس عوض حاضرًا كل يوم إلى موقع المنزل، ينتظر أن يخرج جسد أو عظم يحمل اسمًا وذكرى، ويقول: "نريد فقط أن نودعهم بكرامة"، قبل أن يعود الصمت ليغطي المكان، ويواصل الركام سرد حكاية بيتٍ كان يومًا يعج بالحياة.

اخبار ذات صلة