فلسطين أون لاين

قصة محمود حماد وغربال الوفاء لرفات عائلته

...
محمود حماد الذي يبحث عن رفات أفراد عائلته تحت الأنقاض باستخدام غربال
غزة/ محمد حجازي

لم تكن حكاية محمود إسماعيل حماد (37 عامًا)، خريج القانون من كلية العودة الجامعية، مجرد قصة نجاة من قصفٍ إسرائيليّ غاشم، بل تحولت حياته إلى ملحمة إنسانية من البحث المضني فوق تلال الركام، التي كانت يومًا منزلًا يضج بالحياة. يقف محمود اليوم وحيدًا، حاملاً «غربالًا» بسيطًا، يحاول من خلاله استعادة ما تبقى من أجساد أحبائه الذين «ذابوا» تحت أطنان الإسمنت.

يتذكر محمود بمرارة اللحظة التي قلبت حياته رأسًا على عقب، حين استهدفت طائرات الاحتلال منزله المكوّن من خمسة طوابق دون سابق إنذار.

ويقول حماد لـ "فلسطين أون لاين": "استشهد عدد كبير من أفراد أسرتي؛ زوجتي وأبنائي الستة وأخي وزوجته. خرجتُ من تحت الركام مصابًا، بجسدٍ يحمل الندوب، وقلبٍ مثقلٍ بالفقد والهموم".

بين كل هزّة غربال وأخرى، يهمس محمود بأسماء أطفاله الستة، وكأنه يناديهم للخروج من عتمة الركام. يقول، والدموع تغالب كبرياءه: «كان لكل واحدٍ منهم حلم، وحقيبة مدرسية، وضحكة تملأ أركان البيت. اليوم أبحث عنهم بين ذرات الرمل؛ لا أريد قصورًا ولا تعويضًا، كل ما أرجوه قطعة أرض صغيرة تضم رفاتهم، أضع فوقها شاهدًا يحمل أسماءهم، كي لا يبتلع النسيان حكايتهم كما ابتلع الركام أجسادهم».

منذ عامين لم يتوقف محمود عن الحفر، إذ بدأ محاولاته الشاقة بالتنسيق مع الدفاع المدني، لكنه، في ظل نقص الإمكانيات بسبب الحصار، اضطر للاعتماد على جهده الذاتي. تحت أشعة الشمس الحارقة وبرد الشتاء القارس، يواصل معركته مستخدمًا «الطورية» و«الكريك».

ويصف مشاعره حين يرتطم فأسه بكتلة خرسانية صلبة قائلًا: "كل حجر أزيله يزن جبالًا من الوجع. أخاف أن أؤذي رفاتهم وأنا أبحث عنهم، وأخاف أكثر أن أتركهم وحيدين في هذا القبر الجماعي. تشققت يداي من خشونة الأدوات، لكن قلبي هو الذي ينزف حقًا حين أعثر على بقايا ثوب صغير أو حذاء مهترئ؛ فهذه ليست مجرد أشياء، إنها كل ما تبقى لي من رائحة عائلتي".

وخلال تلك المرحلة القاسية، تمكن محمود من انتشال جثامين شقيقه وزوجته وابنه البكر «إسماعيل»، ليواريهم الثرى، لكن غياب بقية أفراد عائلته ظل جرحًا نازفًا. ومع تآكل الأمل في العثور على جثامين كاملة، ابتكر وسيلة تقطر وجعًا، إذ بدأ باستخدام «المنخل» لتصفية التراب، بعدما أيقن أن أجساد أحبائه تحللت بفعل الزمن وضغط الركام.

ويضيف بحرقة: «عثرت بالفعل على أشلاء بسيطة وعظام متحللة من خلال الغربال… وما زلت أواصل المشوار».

أصبح صوت «شخشخة» الرمل في الغربال الإيقاع الوحيد الذي يواسي وحدته، ويقول بنبرة تختنق بالعبرات: «يسألونني: إلى متى ستظل تُغربل؟ فأجيبهم: حتى يطمئن قلبي أنني أديت الأمانة. إنهم ليسوا مجرد أرقام، إنهم روحي التي ضاعت مني، والغربال اليوم هو خيط الوصل الأخير بيني وبينهم».

ورغم التعب، لا يزال محمود متمسكًا بـ«غرباله»، رافضًا الاستسلام، مؤكدًا بإصرار: «سأواصل العمل حتى إخراجهم جميعًا ودفنهم بما يليق بآدميتهم».

وفي ختام حديثه، وجّه حماد مناشدة عاجلة إلى المؤسسات الدولية والحقوقية، للضغط على الاحتلال من أجل فتح المعابر وإدخال المعدات الثقيلة، معتبرًا أن منع دخول الآليات جريمة إضافية تحول دون إكرام الشهداء. وشدد على أن بقاء آلاف الجثامين تحت الركام يشكل وصمة عار في جبين الإنسانية، التي تقف عاجزة عن توفير أبسط حقوق الدفن اللائق.

وتبقى قصة محمود حماد شاهدًا حيًا على إرادة إنسان فلسطيني يرفض أن يترك أحبّاءه للنسيان، حتى لو تطلّب الأمر غربلة أطنانٍ من الدمار، بحثًا عن عظمةٍ صغيرة… أو ذكرى باقية.

وأضاف أن المجتمع الدولي مطالب بالضغط على القوة القائمة بالاحتلال لضمان تدفق الإمدادات الأساسية، مؤكدًا أن لجوء المواطنين إلى المولدات الخاصة بأسعارها الباهظة هو نتيجة مباشرة لسياسة «الإظلام المتعمّد» التي ينتهجها الاحتلال، والتي لا تُعفيه من مسؤولياته تجاه السكان المدنيين الخاضعين لسيطرته العسكرية.

ويحتاج قطاع غزة، في أوقات الذروة خلال الشتاء أو الصيف، إلى ما بين 500 و600 ميغاواط من الكهرباء، في حين يبلغ المتوفر حاليًا صفر ميغاواط من المصادر الرسمية، بعد توقف الخطوط الإسرائيلية ومحطة التوليد كليًا منذ أكتوبر 2023.

ويعتمد السكان اليوم بنسبة 100% على البدائل المكلفة، سواء المولدات التجارية أو الطاقة الشمسية المحدودة.

المصدر / فلسطين أون لاين