لا شيء يشغل تفكير ووقت النازح، محمود خلف، أكثر من الحصول على ما يكفي العائلة من المياه النظيفة، ويقضي وأبناءه جل يومهم في حمل الجالونات من منطقة قريبة وتعبئة ما أمكن من الخزان المخصص لخيمتهم الواقعة في منطقة المواصي غربي محافظة خان يونس.
رحلة خلف اليومية بحثاً عن المياه تبدأ صباحاً بالوقوف في طوابير طويلة، تارة أمام بئر ارتوازي متواضع الانتاج، وتارة بانتظار عربات المياه العذبة التي تصل في بعض الأحيان إلى المخيم، ولا تغطي سوى القليل من احتياج النازحين.
معاناة يومية
يقول خلف لصحيفة "فلسطين" إن أزمة المياه ترافقهم كنازحين منذ اليوم الأول لبدء حرب الإبادة على غزة، قبل أن تتفاقم مع اضطراره للنزوح من مدينة رفح باتجاه مواصي خان يونس قبل نحو عام ونصف.
ويضيف المواطن البالغ من العمر 59 عاماً: "نعاني في مخيمات النزوح من نقص حاد في المياه، سواء في فصل الصيف أو حتى فصل الشتاء، نظراً لتكدس أعداد كبيرة من النازحين في منطقة ضيقة، لا تتوفر على الحد الأدنى من الإمكانات من آبار وشبكات ومحطات تحلية وغيرها".
ويشير إلى أن كميات المياه التي تصل إلى منطقة المواصي بشكل عام تقلصت بشكل لافت في الفترة الأخيرة، وهو ما زاد من معاناة المواطنين، ودفع بعض العائلات إلى الاعتماد في كثير من الأحيان على مياه البحر غير النظيفة، للاستخدامات اليومية، رغم ما يشكله ذلك من مخاطر صحية عليهم.
نقص حاد
ولا يختلف الحال كثيراً في شمال قطاع غزة عن جنوبه، إذ تتزايد شكاوى المواطنين من النقص الحاد في المياه، ولا سيما في المناطق الأكثر تعرضاً للتدمير جراء العدوان الإسرائيلي، نظراً لتعطل معظم شبكات المياه في تلك المناطق.
المواطن عادل عروق (63 عاماً) والذي يسكن في خيمة فوق منزله المدمر في حي الشيخ رضوان، قال إنه بالكاد يستطيع مع أبناءه وأحفاده يومياً تأمين الحد الأدنى من المياه لاستخدامات النظافة العامة، مشيراً إلى أنهم اضطروا مراراً للذهاب إلى أماكن بعيدة لجلب المياه.
وأضاف لـ"فلسطين": "يمكننا تحمل نقص الكثير من الاحتياجات في ظل هذه الظروف القاسية التي نعيشها، لكن من الصعب العيش بدون مياه نظيفة، ولا بد من تدخل المعنية لتوفير المياه وضخها بكميات مناسبة بدون تأخير".
وأعرب المواطن عروق عن بالغ قلقه من استمرار الأزمة في فصل فصيل الصيف القادم، وقال في هذا الصدد: "نحن الآن في فصل الشتاء ونعاني أشد المعاناة من نقص المياه، فكيف سيكون حالنا في الصيف حين تشتد درجات الحرارة وتزداد الحاجة للمياه أكثر بكثير مما عليه الحال الآن".
أزمة خطيرة
من جانبه، حذّر المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا من تفاقم غير مسبوق في أزمة المياه النظيفة داخل المدينة، مؤكداً أن ما تشهده غزة اليوم يُعد من أخطر الأزمات المائية في تاريخها، نتيجة التدمير الممنهج الذي نفذه الاحتلال الإسرائيلي لقطاع المياه خلال الحرب الأخيرة، واستمرار القيود المفروضة حتى بعد الهدنة.
وأوضح مهنا لـ" صحيفة فلسطين" أن الأسباب المباشرة لمعاناة المواطنين والنازحين تعود إلى إخراج غالبية الآبار المركزية ومحطات التحلية عن الخدمة، حيث دمّر الاحتلال 72 بئر مياه تتبع للبلدية بشكل مباشر، إلى جانب تدمير نحو 150 ألف متر طولي من شبكات المياه، ما أفقد المنظومة قدرتها على إيصال المياه إلى الأحياء السكنية.
وقال معنا: "أُجبرت بلدية غزة على الاعتماد القسري على خط مياه "ميكروت" كمصدر رئيسي، إضافة إلى عدد محدود من الآبار التي لا تزال تعمل، غير أن هذا الخط يتعرض لأعطال وكسور متكررة بفعل التجريف والاستهداف الإسرائيلي، كما حدث مؤخراً شرق المدينة، ما يؤدي فوراً إلى انقطاع المياه عن مساحات واسعة تضم عشرات آلاف المواطنين والنازحين، في ظل غياب أي بدائل حقيقية".
وبيّن مهنا أن محطة تحلية مياه البحر في منطقة السودانية، والتي كانت تُعد المصدر الأساسي للمياه العذبة في المدينة، لا تزال خارج الخدمة منذ بداية الحرب، ولا يمكن إعادة تشغيلها في ظل غياب المعدات والمواد التشغيلية.
نقص الوقود فاقم الأزمة
وأضاف: "الأزمة تعمّقت بفعل النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيل الآبار والمضخات، إلى جانب غياب مواد الصيانة والآليات والمعدات الضرورية لإصلاح الشبكات المتضررة، فضلاً عن الضغط الهائل الناتج عن النزوح الجماعي من شمال القطاع وشرق مدينة غزة باتجاه غربها، ما ضاعف الطلب على المياه بشكل كبير".
وأكد أن حصة الفرد من المياه لا تتجاوز في كثير من الأحيان 5 لترات يومياً، في وقت يبلغ فيه الاحتياج اليومي للمدينة نحو 100 ألف متر مكعب، بينما لا يتوفر فعلياً أكثر من 25 ألف متر مكعب في أفضل الأحوال، محذراً من أن أي تعطّل في خط "ميكروت" يشل المنظومة بالكامل.
وفيما يتعلق بإدخال المعدات خلال الهدنة، شدد مهنا على أن الاحتلال لم يسمح حتى اللحظة بإدخال الآليات والمعدات الأساسية التي تحتاجها بلدية غزة لإصلاح شبكات المياه أو إعادة تشغيل الآبار ومحطات التحلية، كما يمنع دخول المضخات الاحتياطية، المواسير، الصمامات، المولدات الكهربائية، وقطع الغيار الكبرى، إضافة إلى المستهلكات الأساسية مثل الزيوت والبطاريات.
وأوضح: "القيود المفروضة على المعابر حالت دون توريد كثير من المواد الضرورية، ما أجبر البلدية على العمل بإمكانات محدودة وحلول مؤقتة غير مستدامة، لا ترتقي إلى مستوى حجم الكارثة".
احتياجات عاجلة
وحول الاحتياجات العاجلة، أكد مهنا أن البلدية تحتاج بشكل فوري إلى كميات كافية ومنتظمة من الوقود، ومواد الصيانة والمعدات الأساسية، مثل المضخات الغاطسة، المولدات الكهربائية، منظومات الطاقة الشمسية، إضافة إلى معدات ثقيلة كالجرافات والحفارات لإصلاح الشبكات المدمرة تحت الأرض، مشددًا على أن هذه المتطلبات تمثل أساسيات إنقاذ وليست متطلبات تشغيل اعتيادية.
ونبّه مهنا إلى أن فصل الصيف المقبل سيكون أكثر قسوة وخطورة، في حال استمرار الوضع الحالي، حيث ستزداد الحاجة اليومية للمياه مع ارتفاع درجات الحرارة، ما ينذر بتفشي الأمراض والحشرات، خاصة في ظل انتشار مياه الصرف الصحي الملوثة.
واختتم بالقول: " نصيب الفرد من المياه قد ينخفض إلى أقل من 3 لترات يومياً في بعض المناطق، وهو مستوى يشكل تهديداً مباشراً للحياة، محذراً من كارثة إنسانية وصحية شاملة إذا لم يتم رفع الحصار وتوفير الحد الأدنى من مقومات عمل قطاع المياه في المدينة.

