فلسطين أون لاين

هل تنجح لجنة إدارة غزة في اختبار الأمن الأصعب؟

...
اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة عقدت اجتماعها الأول في القاهرة قبل أيام
غزة/ عبد الرحمن يونس

في ظل واقعٍ أمني معقّد أفرزته الحرب المستمرة وتداعيات الانهيار المؤسسي في قطاع غزة، تواجه لجنة التكنوقراط لإدارة غزة، برئاسة علي شعث، تحديات جسيمة تتجاوز الجوانب الإدارية والخدمية، لتضع ملف الأمن في صدارة المعضلات التي تهدد نجاح التجربة برمتها. فالأمن، كما يجمع مختصون، لم يعد مجرد بند إداري، بل شرطًا وجوديًا لأي سلطة تسعى إلى فرض الحد الأدنى من الاستقرار في قطاع أنهكته الحرب والفوضى.

تأتي هذه التحديات في وقتٍ يشهد فيه القطاع تصاعدًا ملحوظًا في وجود العصابات الإجرامية المسلحة، التي استغلت حالة الفراغ والضغط الاجتماعي والاقتصادي، لتفرض نفسها بالقوة، وتتحول من ظواهر هامشية إلى تهديد مباشر للنسيج المجتمعي ولأي مسعى لإعادة تنظيم الحياة العامة. وكانت جريمة قتل المقدم في مباحث خانيونس، زمزم، واحدة من أخطر تجليات هذا الانفلات، إذ شكّلت صدمة واسعة، ورسالة قاسية حول حجم التحدي الذي يواجه أي محاولة لإعادة ضبط المشهد الأمني.

ويرى الباحث في الشأن الأمني الدكتور أيمن إسماعيل، لـ "فلسطين أون لاين"، أن أي سلطة إدارية في غزة، بما فيها لجنة التكنوقراط، لن يُكتب لها النجاح ما لم تكن قادرة على تقديم خدمة الأمن باعتبارها الأولوية المطلقة. ويؤكد أن “الأمن أولًا، وما دونه تفاصيل”، مشددًا على أن غياب الأمن يعني تلقائيًا فشل أي جسم إداري مهما امتلك من كفاءات أو نوايا إصلاحية.

ويوضح إسماعيل أن لجنة إدارة غزة مطالبة بفهم عميق لطبيعة الملف الأمني، يبدأ من التحلي بالحياد والروح الوطنية في استيعاب العناصر الأمنية الجديدة، بعيدًا عن الاصطفافات والتنظيمات، وصولًا إلى تقديم خدمة أمنية عادلة ومنضبطة في التعامل مع المواطنين والأحداث. ويحذر من أن إعادة إنتاج الخلافات السياسية القديمة أو “نبش الماضي” قد يقود إلى موجات اقتتال داخلي جديدة، في وقت يعاني فيه المجتمع الغزي من إنهاك غير مسبوق.

ويشير إسماعيل إلى أن نجاح العمل الإغاثي والإنساني في القطاع مرتبط بشكل مباشر بقدرة اللجنة على فرض الأمن، إذ لا يمكن للمؤسسات الإغاثية ولا للقطاع العام أن تعمل في بيئة تسودها الفوضى والسلاح المنفلت. كما يؤكد أن فرض السيطرة الأمنية يفتح المجال أمام حلول سياسية أوسع، سواء في غزة أو الضفة الغربية، ويمنح المفاوض الفلسطيني مساحة أكبر للمناورة وانتزاع الحقوق الوطنية، خاصة في ظل التحولات التي أفرزتها معركة السابع من أكتوبر.

وفي السياق ذاته، يلفت إسماعيل إلى أن الأمن ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو مسؤولية جماعية، تشارك فيها إلى جانب المؤسسات الرسمية قوى المجتمع المدني من وجهاء العائلات والمخاتير والنقابات والمؤسسات الأهلية، باعتبارهم شركاء في حماية السلم الأهلي. لكنه في المقابل يحذر من التماهي مع الاحتلال أو الانزلاق نحو مقاربات أمنية تتجاهل البعد الوطني والأخلاقي للمهنة، مؤكدًا أن غزة ما زالت تعيش تحت الاحتلال، وأن سلاح المقاومة لم يُكسر، وأن وقف إطلاق النار جاء باتفاق لا بفرض استسلام.

ويشدد إسماعيل على أن أي إدارة لملف الأمن يجب أن تتعامل مع فصائل المقاومة باعتبارها شركاء في المشهد، لا أندادًا أو خصومًا، محذرًا من أن تجاهل هذه الحقيقة قد يقود إلى مآلات خطيرة تهدد الاستقرار الهش.

من جانبه، يؤكد الباحث في الشأن الأمني رائد صافي، لـ"فلسطين أون لاين"، أن التحدي الأمني الذي يواجه لجنة التكنوقراط أعقد بكثير من مسألة تسليم أو إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية. ويقول إن الحديث عن “تسهيلات” قد تقدمها حركة “حماس” للجنة الإدارية، لا يعني بالضرورة أن ملف الأمن سيكون سلسًا أو قابلًا للحل السريع.

ويوضح صافي أن اللجنة ستكون أمام مهمة شاقة تتمثل في التعامل مع العصابات المسلحة التي نشأت أو تعزز نفوذها في ظل الحرب، مستغلة الفقر والانهيار الاقتصادي وغياب الردع. ويضيف أن هذه العصابات لا تشكل خطرًا أمنيًا فحسب، بل تهدد بنية المجتمع، وتضرب فكرة القانون من أساسها، ما يجعل مواجهتها اختبارًا حقيقيًا لقدرة اللجنة على فرض هيبة الدولة، ولو بالحد الأدنى.

ويشير صافي إلى أن جريمة قتل المقدم زمزم في خانيونس تعكس مدى جرأة هذه المجموعات المسلحة، واستعدادها لمواجهة الأجهزة الأمنية، وهو ما يضع لجنة التكنوقراط أمام خيارات صعبة، تتطلب رؤية أمنية شاملة، وأدوات مهنية، وقدرة على الموازنة بين فرض القانون وتجنب الانزلاق إلى صدامات داخلية واسعة.

ويرى مراقبون أن لجنة التكنوقراط، برئاسة علي شعث، تجد نفسها في قلب معادلة شديدة التعقيد: فمن جهة، هناك حاجة ملحّة لإعادة الأمن وضبط السلاح المنفلت، ومن جهة أخرى، هناك واقع سياسي وأمني حساس، تحكمه توازنات المقاومة والاحتلال، وضغوط داخلية وخارجية، تجعل أي خطوة غير محسوبة محفوفة بالمخاطر.

وبينما يطالب الشارع الغزي بالأمن كحق أساسي، وبوقف حالة الفوضى التي تهدد حياته اليومية، فإن نجاح لجنة التكنوقراط في هذا الملف سيظل مرهونًا بقدرتها على بناء مقاربة أمنية مهنية ووطنية، تستند إلى الشراكة المجتمعية، وتحافظ على الثوابت الوطنية، وتتعامل بحزم مع العصابات الإجرامية، دون أن تتحول إلى أداة صدام أو انقسام جديد.

في المحصلة، يبدو أن ملف الأمن سيكون الاختبار الأصعب للجنة تكنوقراط إدارة غزة، وأن التعامل مع العصابات المسلحة، في ظل واقع ما بعد الحرب، سيحدد إلى حد كبير ما إذا كانت هذه اللجنة قادرة على الصمود وتحقيق الاستقرار، أم أنها ستنضم إلى سلسلة التجارب التي اصطدمت بجدار الفوضى والسلاح المنفلت في قطاع غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين