فلسطين أون لاين

تجارب جيفرز في العراق وأفغانستان قد تتكرر في غزة

حوار خبير عسكري عراقي يحذر: إعادة تشكيل الواقع الأمني في غزة لصالح الاحتلال ستنتج استقرارًا هشًّا

...
الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز
غزة- بغداد/ علي البطة

في خطوة تثير مخاوف من تكرار تجارب دولية فاشلة، يخشى مراقبون أن يقود تعيين قائد أمريكي لقوة الاستقرار الدولية في غزة إلى مقاربة أمنية صارمة، تقدم فيها اعتبارات الاستقرار على أي مسار سياسي عادل، وهو ما قد يكرر إخفاقات سبق أن شهدتها ساحات الصراع السابقة.

ويرى الخبير العسكري العراقي علي ناصر، أن هذا التوجه يعكس منظورا أمريكيا يعتبر الأمن شرطا مسبقا لأي حل سياسي، محذرا من أن فرض الاستقرار بالقوة دون توافق سياسي داخلي يحول أي هدوء مؤقت إلى حالة قابلة للانفجار في أي لحظة.

ويؤكد ناصر لـ "فلسطين أون لاين"، أن التجارب الدولية أثبتت أن الحلول الأمنية وحدها لا تنهي الصراعات، بل تؤجلها، خصوصا حين يتم التعامل مع قضايا سياسية عميقة كملفات وطنية معقدة تتطلب توافقا داخليا، وإلا فستظل أي إدارة دولية عرضة للفشل رغم كل الدعم العسكري.

قضية تحرر وحقوق وطنية

ويضيف أن غزة اليوم تدفع نحو نموذج وصاية أمنية دولية، حيث يتم إعادة تعريف القضية الفلسطينية على أنها مسألة ضبط أمني بحت، لا قضية تحرر وحقوق وطنية، وهو ما يعكس خللا جوهريا في الرؤية لإدارة الصراع، ويضع الأمن فوق أي أفق سياسي.

ويشير إلى أن هذا المسار يخدم رؤية إسرائيلية واضحة، تهدف إلى نزع سلاح المقاومة دون تقديم أي التزام سياسي مقابل، ما يفرغ أي حديث عن سلام أو تسوية من مضمونه، ويجعل القوة الدولية أداة لضمان أمن إسرائيل أولا وقبل أي اعتبار محلي.

ويحذر ناصر من أن غياب جدول زمني محدد للانتقال السياسي سيبقي غزة في حالة إدارة مؤقتة طويلة الأمد، ما يحول القوة الدولية إلى سلطة أمر واقع يصعب تفكيكها لاحقا، ويخلق واقعا هشا لا يحقق الاستقرار الحقيقي للقطاع، حتى لو بدا المشهد هادئا في الظاهر.

ويرى أن فرض مقاربة أمنية خارجية بالتوازي مع غياب توافق فلسطيني داخلي سيولد استقرارا شكليا قائما على الردع، لا على القبول الشعبي، وهو ما يزيد من احتمالية الاحتكاك مع السكان المحليين، ويجعل القوة الدولية هدفا محتملا لأي صدام محتمل مع المجتمع المدني والفصائل.

سيرة عسكرية مثقلة بتجارب متعثرة

والجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز خدم أكثر من خمسة وعشرين عاما في الجيش الأمريكي، متنقلا بين وحدات المشاة والعمليات الخاصة، ومشاركا في ساحات صراع معقدة شكلت نماذج كلاسيكية لفرض الاستقرار بالقوة، وهو ما يثير التساؤل حول مدى نجاحه في بيئة سياسية وحساسة مثل غزة.

وتبرز في مسيرته مشاركته في العراق وأفغانستان وسوريا، حيث تولى مهام قيادية في عمليات ما يسمى (مكافحة الإرهاب) وبناء هياكل أمنية جديدة بإشراف أمريكي مباشر، وهي تجارب ارتبطت باستقرار هش وإخفاقات سياسية طويلة الأمد، ما يعكس أن النجاح العسكري لا يضمن النجاح السياسي أو الاجتماعي.

كما شغل جيفرز مواقع حساسة في قيادة العمليات الخاصة ومكافحة الإرهاب داخل البنتاغون، ما يعكس انتماءه لمدرسة أمنية صارمة، ويثير تساؤلات جدية حول قدرته على فهم تعقيدات المشهد الغزي، حيث تتقدم السياسة والهوية الوطنية على أي إجراءات أمنية ميكانيكية.

ويشير ناصر إلى أن هذه الخلفية تجعل من الصعب فصل مهمة القوة الدولية عن الأجندة الأمنية الإسرائيلية، خصوصا في ما يتعلق بأولوية نزع سلاح المقاومة كهدف مركزي، وهو ما قد يضع القوة الدولية في مواجهة مباشرة مع الفصائل والمجتمع المحلي.

إعادة تشكيل الواقع

ويضيف أن الدور المتوقع لقوة الاستقرار قد يتجاوز الحماية إلى إعادة تشكيل الواقع الأمني في غزة، ما يحولها من طرف ضامن للاستقرار إلى فاعل مباشر في الصراع، وهو ما يضع نجاح المهمة على المحك منذ البداية ويزيد من احتمالية الاحتكاك مع السكان المحليين.

وفي هذا السياق، يحذر ناصر من تكرار تجربة العراق، حيث أعيد بناء أجهزة أمنية قوية دون أساس سياسي جامع، ما أسهم في تعميق الانقسام بدل تحقيق الاستقرار، وأدى إلى بقاء القوات الدولية في مواجهة تحديات مستمرة، رغم كل الموارد والإمكانات العسكرية المتاحة.

ويشير إلى أن أي نزع سلاح قسري دون حل سياسي شامل وعادل سيؤدي حتما إلى مقاومة جديدة بأشكال مختلفة، حتى وإن بدا المشهد هادئا في مراحله الأولى، ما يجعل أي استقرار هشا وقصير الأمد، ويعكس تكرار نماذج فاشلة سبق مشاهدتها في مناطق النزاع الأخرى.

دور التكنوقراط

وبشأن لجنة التكنوقراط المشكلة حديثا لإدارة غزة، يرى ناصر أن التجارب السابقة تؤكد أن القرار الحقيقي يبقى بيد القيادة الأمنية، بينما تمنح الهياكل المدنية أدوارا خدمية محدودة، وهو ما يجعل الإدارة المدنية بلا تأثير حقيقي على المسار السياسي أو الأمني.

ويؤكد أن غياب التوازن بين المسار الأمني والسياسي سيقوض أي محاولة لبناء إدارة محلية ذات مصداقية، ويجعلها مرتبطة بالإرادة الدولية أكثر من ارتباطها بالمجتمع المحلي، وهو ما يزيد من احتمالية فشل أي خطة لإعادة بناء القطاع على أسس مستقرة ومستدامة.

ويخلص ناصر إلى أن الاستقرار الحقيقي في غزة لا يمكن أن يتحقق دون ربط المسار الأمني بمسار سياسي ملزم، بجدول زمني واضح وضمانات دولية حقيقية، تجنب تكرار إخفاقات الماضي، وتؤسس لآلية مشاركة محلية ودولية متوازنة.

ويؤكد أن مهمة جاسبر جيفرز في غزة لن تقاس بقدراته العسكرية وحدها، بل بقدرته على التفاعل مع الواقع السياسي والاجتماعي، ونجاح القوة الدولية يرتبط بإدراك محدوديتها، وربط الأمن بالسياسة، وإشراك المجتمع المحلي في أي حل مستدام، لتجنب تكرار الفشل السابق.

المصدر / فلسطين أون لاين