فلسطين أون لاين

المرحلة الثانية من خطة ترامب.. مسارات التقييم ومساحات التأثير الممكنة

بإعلان مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف الانتقال رسميًا للمرحلة الثانية من خطة ترامب "للسلام"، تباعد شبح عودة الحرب بوتيرتها العالية على قطاع غزة، إلا أن العدوان السياسي والحقوقي على الفلسطينيين اكتسب زخمًا وبعدًا جديدًا، وتشكل في صورة عدوان جديد يسلب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وحكم ذاته ويبدد ما توافق العالم عليه من اعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 67.

وأمام هذا المنعطف الذي يحمل بوادر خطر تهدد وجود الفلسطيني وقضيته برمتها فإن فواعل المشهد اليوم أيضًا ستتخذ مسارات جديدة يمكن البناء عليها واستثمارها للخروج من هذه المحطة بأقل الخسائر الممكنة وبما يحقق في المديين المتوسط والبعيد إنجازات تلبي الحد الأدنى من تطلعات مسيرة النضال الفلسطينية الممتدة منذ قرابة 80 عامًا.

مسارات التقييم

حملت خطة ترامب منذ لحظة الإعلان عنها أفكارًا وبنودًا بالغة الخطورة على مجمل القضية الفلسطينية لا تخطؤها عين أصغر فلسطيني، لكن الانتقاد والتشكك الدائم ومقارنة واقع اليوم بواقع قبل الحرب لا ينتج فكرًا يواكب تحديات المرحلة ولا سلوكًا سياسيًا يتلافى تأثيرات التفوق "الإسرائيلي" على معظم الجبهات التي انخرطت في معركة الطوفان.

وإن ما تقتضيه الموضوعية في مقارنة هذه الخطة -التي فرضت على الفلسطينيين والمحتلين معًا- هو مقارنتها بما قبلها، وفحص خيارات وبدائل انهيارها، قبل الخروج بتقييمها النهائي، إذ تقف في قلب قطاع غزة قوات متأهبة وتسعى لإبادة ما تبقى من قطاع غزة بشرًا وحجرًا، ويغطي تلك القوات تحالف سياسي كامل لدى الاحتلال لا يوحده سوى دماء أطفالنا ولا يسعى لشيء حاليًا مثل سعيه لعودة الحرب بأي طريقة.

كما أن معطيات المرحلة وتحدياتها لا بد وأن تتجاوز التباين الداخلي الفلسطيني التقليدي في مسار التقييم، فالاحتفاء مثلًا بتعيين شخصية حزبية أو عزلها من "لجنة التكنوقراط" لا يمكن أن يكون هو الناظم لشكل تعاطينا مع اللجنة، وتركيز النقاش والجهد الإعلامي لمثل هذه المسائل هو "ترف" لا نملك حيز ممارسته.

عوامل التأثير الجديدة

إن الخروج لعملية ثورية كبرى بحجم عبور السابع من أكتوبر لم يكن أساسًا إلا انتفاضًا على كل ما هو صنم ومقدس في نظامنا السياسي ما قبل العبور، وكسرًا لكل التابوهات السياسية التي حكمت عقل المنظومة السياسية الفلسطينية، وقد خلفت العملية وما تبعها من حرب إبادة واقعًا جديدًا وعوامل تأثير مختلفة تشكّل جزء منها وجزء آخر لا يزال في طور التشكل والنضوج.

وكما أن من العبث الاعتقاد بأن تعافي قطاع غزة من الحرب يستغرق أشهرًا، فإن تقييم العبور وتداعياته وانتظار ثماره في الشهر الرابع من وقف الحرب هو أيضًا عبثٌ لا طائل منه سوى مزيد من الإرباك وجلد الذات، فالأحداث التاريخية الكبرى يمتد أثرها لعقود من الزمن وتتشكل الظروف بعدها بطريقة لا تشبه أبدًا ما قبلها.

ومما لا شك فيه أن كسر هدف نتنياهو المتمثل في حرب لا تنتهي وجعلها روتينًا يوميًا على جدول السياسة الدولية تعتاد قتل الفلسطينيين في غزة بالعشرات والمئات يوميًا هو أحد أهم منجزات هذا الاتفاق والذي طالبت كل النخب الفلسطينية والعربية بالسعي لتحقيقه "بأي ثمن" فكيف باتفاق يتجاوز كل هذا الواقع ولم يُبرم إلا بأثمان محسوبة تخضع لمناورات السياسة وضغط الحلفاء والمناصرين لعدالة القضية الفلسطينية والذين برز دورهم ولا يزال تأثيرهم في طور التشكل والبناء.

التموضع الإقليمي بعد الطوفان

إن وقف اندماج "إسرائيل" في المنطقة وعزلها واعتبارها عدوًا أوحد لمكونات الأمة الإسلامية والعربية المختلفة هو أحد المفاعيل الكبرى في رسم المشهد السياسي ما بعد الحرب، وهو المعنى الذي عبر عنه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن "العالم الإسلامي استيقظ أخيراً من سباته العميق الذي دام 100 عام"، في ظل وجود "جهات خارجية تسعى للتأثير على مشاكل دول المنطقة، لافتاً إلى وجود نمط واحد يربط بين قضايا اليمن والسودان وسوريا والصومال". 

وإن توحد القوى الكبرى في منطقتنا وعالمنا الإسلامي وتقاطع أهدافها في وجه التمدد العدواني للاحتلال على الأرض العربية مسالمةً كانت أو محاربة، كان حلمًا وضربًا من الخيال في واقع ما قبل الطوفان الذي كان يتهيأ ويتحضر لشكل جديد من التطبيع تكون فيه "إسرائيل" حليفًا عسكريًا موثوقًا به من قوى المنطقة في وجه أحد مكونات الأمة الإسلامية "إيران"، وكانت في ذلك الواقع قضية فلسطين في مهب النسيان والذوبان.

وفي خلاصة المشهد فإن حجم التضحيات المبذولة في هذه الحرب لا يمكن تقزيمه في السعي والبحث وراء سلطات حكم ذاتية في غزة والضفة بصلاحيات بلدية وخدمية، بل هو استحقاق يفرض نفسه على واقع العقل الجمعي الفلسطيني سياسيًا وميدانيًا بأنه لا ثمن يمكن جبايته من الاحتلال وداعميه سوى الزوال التام لهذا الكيان المصطنع عن أرضنا.

وكما كان هدف توحيد قوى الأمة ضد "إسرائيل" محض خيال قبل أقل من 3 أعوام، فإن هدف زوال الاحتلال سيكون ممكنًا ترقبه في هذه المرحلة.

المصدر / فلسطين أون لاين