فلسطين أون لاين

الصومال لاند: تحدٍ جديد في الصراع الإسرائيلي – اليمني

أظهرت معركة طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023 – 10 أكتوبر 2025) تحديًا جديدًا لـ "اسرائيل" على كافة الصعد، حيث برزت حركة أنصار الله اليمنية كلاعبٍ فاعل في معادلة الصراع خلال الحرب من خلال قصفها للعمق "الاسرائيلي"، وقطعها لخطوط التجارة العالمية المارة عن طريق البحر الأحمر لتصل إلى موانئ "اسرائيل"، في خطوةٍ لم تلقِ لها الاستخبارات "الاسرائيلية" بالًا بالحد الذي يضعها على طاولة التحديات الخاصة بالوضعين الأمني والعسكري في المنطقة قبل الحرب، وقد ساهم هذا القصور الاستخباراتي في إرباك حسابات الأمن القومي "الإسرائيلي"، نتيجة الفشل في توقع حجم الانخراط اليمني وقدرته على توسيع نطاق التهديد خارج النطاق التقليدي للصراع.

حيث شكلت المناطق التي يسيطر عليها الحوثي في اليمن خاصرةً رخوةً للأمن العالمي عمومًا والأمن "الاسرائيلي" خصوصًا، خاصةً بعدما أعلن الحوثي الحرب على الغواصات الأمريكية وسلاح الجو الأمريكي كذلك من خلال استهدافه لبعض الغواصات في عرض البحر الأحمر واستهداف بعض الطائرات الأمريكية المخترقة للأجواء لديه، ما سمح بترسيخ معادلةٍ جديدةٍ في تاريخ الصراع الفلسطيمني – "الاسرائيلي"، حيث يشكل الحوثي جزءاً من محور المقاومة المؤثر على الرغم من البعد الجغرافي بينه وبين "اسرائيل"، وعلى الرغم من ذلك إلا أن آثاره الاستراتيجية كانت واضحةً على المستوى الاقليمي والدولي، وبات واضحًا أن تهديد الحوثي لم يعد رمزيًا أو دعائيًا، بل تحوّل إلى قدرة عملياتية مؤثرة قادرة على تعطيل الملاحة الدولية، وخلق ضغط اقتصادي مباشر على حلفاء "إسرائيل" قبل أن يصل التأثير إليها.

وعليه، فقد عملت "اسرائيل" على دراسة الجغرافية المحيطة باليمن، والتي تمكنها من تحقيق اختراق في السيطرة الحوثية على البحر الأحمر، لتصل إلى اعتراف الصومال لاند بحق "اسرائيل" في الوجود واستعدادها لتكون قاعدةً لقطع الطريق على الحوثي، بل وإيجاد امكانية لاستهداف مقدراته وتسهيل عملية الاشتباك حال تجددها من خلال الأرض الجديدة التي وصلت لها "اسرائيل"، وقد تزامن ذلك مع الاحتجاجات الايرانية ضد النظام الايراني وتهديد الولايات المتحدة بالتدخل العسكري حال حدوث حالات قتل في صفوف المتظاهرين، بالإضافة لاستمرار "اسرائيل" في تنفيذ خروقات وقف لاطلاق النار في كل من لبنان وغزة، الأمر الذي يجعل محور المقاومة في حالةٍ من الضيق الشديد.

غير أن تحييد أسلوب الكر والفر الذي تستخدمه قوى المقاومة لم يعد نافعًا بشكلٍ كاملٍ في الوقت الحالي، نظرًا لخوضها حربًا مفتوحةً لمدةٍ قاربت على العامين، واحتياجها للوقت لإعادة تأهيل الموارد الخاصة بها، وإعادة تنظيم القوات، وما يزيد التعقيد أن "اسرائيل" ترى في الصومال لاند منفذًا استراتيجيًا لتعويض عجزها البحري في البحر الأحمر، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن وجودها هناك سيضعها في تماس مباشر مع نفوذ إيران البحري الممتد عبر الحوثيين.

وعلى الرغم من هذا إلا أن تصريحًا اعلاميًا متوقعًا للحوثي في اليمن، أثار حفيظة "اسرائيل" حيث صرح بعدم تردده بالاستهداف العسكري لأي تمركز "اسرائيلي" في أرض الصومال لاند، حيث يعتبر الحوثي في حالة لا يستهان بها خصوصًا مع الصراع السعودي الاماراتي الجاري حاليًا في اليمن، لتشكيله تهديدًا على نفوذه في المناطق التي يسيطر عليها، ويعكس هذا الاعلان الحوثي ثقة عالية بالقدرة الصاروخية والبحرية التي تم تطويرها خلال الحرب، ما يجعل أي وجود "إسرائيلي" في الصومال لاند مكلفًا تلقائيًا وعالي الخطورة.

وعليه، فهل تنجح "اسرائيل" في خطتها الرامية لإيجاد قدم "اسرائيلي" في أرض الصومال لاند؟ أم أنها لا تعدو عن كونها محاولةً فحسب؟

بدايةً توحي المؤشرات الأولية بأنّ الخطة تحمل طابعًا إعلاميًا وسياسيًا أكثر من كونها مشروعًا استراتيجيًا مستدامًا، نظرًا لافتقار "اسرائيل" للحماية اللوجستية الكافية في بيئة غير مستقرة سياسيًا وعسكريًا، ولا يمكن للقارئ للواقع الحالي الذي يهدف فيه نتنياهو لتوسع "اسرائيل" وتمددها لترقى لـ "اسرائيل العظمى"، ووجود التحديات التي تقف أمامه حيال ذلك، والذي يعتبر محور المقاومة بقيادة ايران التحدي الأكبر أمام ذلك التمدد، وثبات الموقف اليمني خلال الحرب على غزة وفق الخطة المعدة مسبقًا من المحور، والقاضية بمساندة أحد الجبهات حال اشتعالها لتكوين حلقة من النار ضد "اسرائيل"، وقد استمر الحوثي في ذلك حتى اللحظة الأخيرة من الحرب بالتنسيق مع المقاومة الفلسطينية على الرغم من الأثمان الباهظة التي دفعها، و يُظهر هذا التنسيق العابر للجغرافيا بين أطراف المحور مستوً غير مسبوق من التكامل العملياتي الذي أربك الاستراتيجية "الإسرائيلية".

لذا، فإن التواجد "الاسرائيلي" في أرض الصومال لاند يشكل اختراقًا للبحر الأحمر لكنه يمكن أن يكون بمثابة تشتيتٍ للقوات "الاسرائيلية"، حيث يمكن للمحور توظيف تواجد القوات "الاسرائيلية" في الموقع الجديد ليكون بمثابة هدف جديد مركز للقوات الحوثية، كما أنها انهاك للقوات "الاسرائيلية"، فكما عمل حزب الله اللبناني على تشتيت القوات "الاسرائيلية" وإشغال ثلث قواتها تقريبًا على الجبهة الشمالية، فإن من الممكن للحوثي أن يعمل كذلك بذات النسق مع وجود اختلافٍ لاستهداف القاعدة "الاسرائيلية" حال إنشاءها وتشكيلها تهديدًا على السيادة الحوثية على البحر الأحمر، وبذلك يتحول الوجود "الإسرائيلي" من عنصر قوة إلى عبء عسكري ولوجستي يسهل استنزافه عبر ضربات دقيقة منخفضة الكلفة.

كما سيكون البحر الأحمر بمثابة مسرح العمليات للطرفين "الاسرائيلي" والحوثي، مع تفوق الأخير وقدرته على فرض سيادته نظرًا لوجوده الطويل ومعرفته بتفاصيل الجغرافيا المحيطة بالبحر الأحمر، كما أنه سيواجه تهديدًا استخباراتيًا من "اسرائيل"، حيث ستحاول جاهدةً تحقيق اختراق في صفوفه لتعيد سيناريوهات الاختراق المتعددة في تاريخها للأحزاب والحركات المقاومة، بل وبعض الحكومات التي كانت تصنف معادية بالنسبة لها، والتي كان آخرها اختراق أجهزة البيجر لدى حزب الله اللبناني، لكن من المتوقع أن يكون الحوثي على دراية بذلك التحدي خصوصًا في ظل الدراسة المتجددة لتكتيكات واستراتيجيات الحرب الدائرة، كما أن البيئة الجغرافية المعقدة للبحر الأحمر تجعل من العمل الاستخباراتي "الإسرائيلي" مهمة عالية المخاطر، خصوصًا مع قدرة الحوثيين على تكتيك الإخفاء البحري وإدارة العمليات من مناطق وعرة تحميها الطبيعة قبل البشر.

وبذلك لا يبدو أن التمدد "الإسرائيلي" في البحر الأحمر يمثل تقدّمًا استراتيجيًا بقدر ما يمكن أن يمثل كمينًا جغرافيًا وأمنيًا سيقود إلى فتح جبهة استنزاف جديدة، قد تكون مكلفةً وفقًا للحسابات "الاسرائيلية"، وبالتالي فإن "اسرائيل" تبدو أمام خيارين أحلاهما مرّ: الانسحاب لتفادي الخسائر، أو التمسك بالوجود مع تحمل استنزاف طويل الأمد قد يعمّق أزماتها الداخلية والخارجية.

المصدر / فلسطين أون لاين