بينما تنشغل المؤشرات الرسمية برصد معدلات التضخم والبطالة، يرى خبراء اقتصاديون أن ما تشهده الضفة الغربية يتجاوز حدود «الأزمة العابرة» ليصل إلى ما يمكن وصفه بـ«الاحتلال الاقتصادي الكلاسيكي»؛ وهو منظومة متكاملة من الأدوات القانونية والأمنية تُستخدم لإعادة صياغة الحياة اليومية للفلسطينيين بما يخدم المشروع الاستيطاني، ويحوّل الاقتصاد الوطني إلى «رهينة» بيد القرارين السياسي والأمني الإسرائيليين.
ويرسم الخبير الاقتصادي الدكتور نائل موسى صورة قاتمة لهذا الواقع، معتبرًا أن الاحتلال نجح في عزل الفلسطينيين عن مواردهم الأساسية. فمن خلال هيمنته المطلقة على المناطق المصنفة (ج)، يسيطر الاحتلال على الأراضي الزراعية الأكثر خصوبة ومصادر المياه الجوفية، الأمر الذي حكم على قطاعي الزراعة والصناعة بحالة من التراجع المستمر.
ويوضح موسى، لصحيفة «فلسطين»، أن الحصار المفروض على الموارد أدى إلى «تشويه بنيوي» في الاقتصاد الفلسطيني، حيث جرى تحويله قسرًا من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد استهلاكي تابع.
ويضيف: «إن السيطرة على المعابر التجارية والتحكم في حركة الصادرات والواردات سلبا الفلسطينيين القدرة على اتخاذ أي قرار اقتصادي مستقل، ما جعل الأسواق المحلية مجرد امتداد استهلاكي للسوق الإسرائيلية».
وتؤكد أحدث الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني مطلع عام 2026 رؤية الخبراء، حيث انتقلت المعاناة من التقارير النظرية إلى واقع يومي قاسٍ. فقد سجّل الناتج المحلي الإجمالي في الضفة الغربية تراجعًا بنسبة 13%، مع خسائر في القطاع الخاص قُدرت بنحو 3.2 مليارات دولار.
كما قفزت معدلات البطالة لتصل إلى 31%، عقب فقدان أكثر من 313 ألف وظيفة، نتيجة إغلاق الحواجز ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الأراضي المحتلة منذ أكتوبر 2023. ويعاني 16% من العاملين في القطاع الخاص من تقاضي أجور تقل عن الحد الأدنى البالغ 1,880 شيكل، في ظل معدل تضخم وصل إلى 11%.
من جانبه، يضع الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر هذه الإجراءات في سياقها السياسي الأوسع، مؤكدًا أن الاقتصاد الفلسطيني بات يُستخدم كأداة ضغط سياسي تهدف إلى خلق بيئة طاردة للسكان، لا سيما في المناطق المستهدفة استيطانيًا.
ويبيّن أبو عامر، لـ«فلسطين»، أن الواقع الميداني يشير إلى خسائر فادحة في القطاع الزراعي تجاوزت 103 ملايين دولار خلال العام الماضي وحده، نتيجة تدمير أكثر من 91 ألف شجرة زيتون، وعرقلة وصول المزارعين إلى المراعي والأراضي الزراعية بفعل توسع البؤر الاستيطانية الرعوية.
ويقول: «تفكيك السوق الفلسطيني ليس هدفًا اقتصاديًا فحسب، بل هو استراتيجية ممنهجة لإفراغ الأرض وتقويض أي فرصة لقيام دولة فلسطينية مستقبلًا».
وشدّد أبو عامر على أن كسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب استراتيجية وطنية مغايرة، ترتكز على تعزيز الاقتصاد الإنتاجي المحلي، ودعم صمود السكان في المناطق المهددة.
وأكد لـ«فلسطين» أن الانعتاق من التبعية القسرية يستوجب البحث عن بدائل تجارية تقلل الاعتماد شبه الكلي على الموانئ والسلع الإسرائيلية، إلى جانب توجيه الدعم المالي نحو مشاريع تنموية قادرة على خلق فرص عمل محلية مستدامة.