لم تعد أزمة صناعة الأثاث في قطاع غزة مجرد ارتفاع في الأسعار أو تعثر في سلاسل التوريد، بل تحولت إلى انهيار فعلي لقطاع كان يشكّل ركيزة اقتصادية ومصدر رزق لآلاف العائلات.
المناجر صامتة، خطوط الإنتاج متوقفة، والخشب — المادة التي يقوم عليها هذا القطاع — أصبح نادرًا، ما جعله سلعة استراتيجية.
وبين ورش مغلقة وأخرى تعمل بقدرة شبه معدومة، يواجه المواطن الغزي واقعًا قاسيًا.
في جولة داخل عدد من المناجر، قال الشاب ياسر أبو كويك، الذي يسعى لتجهيز منزله استعدادًا لزفافه، إن الأسعار الحالية مرتفعة جدًا، موضحًا أن غرف النوم المستخدمة، التي كانت سابقًا خيارًا اقتصاديًا، باتت تتراوح بين 8,000 و9,000 شيكل.
وأكد أبو كويك لـ "فلسطين أون لاين" أن هذه المبالغ تشكّل معضلة حقيقية أمام الشباب، خاصة في ظل الظروف المعيشية المتدهورة وارتفاع تكاليف الحياة الأساسية.
شلل كامل للقطاع
ووصف النجار أيمن الطهراوي ما يمر به القطاع بأنه شلل كامل، موضحًا أن المنع المستمر لدخول المواد الخام أدى إلى توقف الإنتاج في عدد كبير من المناجر. وأشار إلى أن أسعار الأخشاب والمواد المرتبطة بها قفزت نحو 100 ضعف نتيجة الندرة الشديدة، إضافة إلى لجوء بعض المواطنين لاستخدام الخشب كوقود أو للتدفئة في ظل أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب.
وبيّن الطهراوي أن غرفة النوم، التي كانت تتراوح أسعارها سابقًا بين 700 و3,000 شيكل، أصبحت اليوم تتراوح بين 3,000 و12,000 شيكل حسب الجودة وتوفر المواد. كما تعاني الأسواق من غياب شبه تام لمواد الدهانات والمواد الأساسية للتشطيب، وإن توفرت فإن أسعارها تتجاوز قدرة الحرفيين على الشراء، بحسب الطهراوي الذي يعمل في المهنة منذ 15 عامًا.
وأضاف أن نقص الكهرباء وارتفاع تكاليف البدائل زاد من أعباء التشغيل، ما دفع كثيرًا من الورش إلى الإغلاق المؤقت أو تقليص العمل إلى الحد الأدنى، وناشد الجهات المعنية التدخل العاجل لتسهيل إدخال المواد الخام وإنقاذ ما تبقى من القطاع.
خسائر اقتصادية كبيرة
من جانبه، أوضح وضاح بسيسو، أمين سر اتحاد الصناعات الخشبية، أن الأزمة الحالية نتاج تدمير واسع طال المناجر والمعدات والآليات الثقيلة، إضافة إلى حرق مخازن الأخشاب، ما أدى إلى فقدان المخزون الاستراتيجي وخلق نقص حاد في المعروض المحلي.
أمين سر اتحاد الصناعات الخشبية، وضاح بسيسو
وبيّن بسيسو أن منع إدخال المستلزمات الأساسية أحدث فجوة كبيرة بين العرض والطلب، انعكست مباشرة على المواطنين، خصوصًا مع الحاجة المتزايدة لإعادة تأثيث المنازل المتضررة أو تجهيز منازل جديدة للزواج.
وأشار إلى أن منتجات الصناعات الخشبية في غزة كانت تُسوَّق قبل الحرب بنسبة 80% للسوق الإسرائيلي و20% لسوق الضفة الغربية، ما يوضح حجم الخسارة الاقتصادية التي تكبدها القطاع بعد توقف التصدير وتعطل الإنتاج. كما لفت إلى أن عدد الوحدات الإنتاجية، من مصانع وورش، بلغ نحو 450 منشأة قبل الحرب.
ودعا بسيسو المؤسسات الدولية المانحة إلى إطلاق برامج تمويل عاجلة لإعادة تأهيل خطوط الإنتاج، وتوفير المواد الخام، ودعم الحرفيين، وفتح أسواق جديدة قادرة على استيعاب الإنتاج مستقبلًا.