في مشهدٍ يجسّد معاني الإرادة التي لا تعرف المستحيل، استطاعت السيدة سمر خالد يوسف الرملاوي (40 عامًا) أن تحوّل منزلها إلى منارةٍ للعلم والإيمان، بعدما أتمّت حفظ كتاب الله عز وجل كاملًا في وقتٍ قياسي، لتقود عائلتها المكوّنة من ثمانية أبناء في رحلةٍ قرآنية فريدة، مؤكدةً أن الأم الفلسطينية هي الصخرة التي تتحطم عليها أقسى التحديات.
رحلة «الشهر ونصف» في رحاب القرآن
وكشفت الرملاوي، وهي خريجة تخصص اللغة العربية، لصحيفة "فلسطين"، عن كواليس هذه الرحلة الإيمانية، مؤكدة أن أبناءها كانوا الدافع الأكبر لها. وقالت: "أبنائي كانوا سبب تشجيعي. في البداية شعرت بالخوف والتردد، لكنني التحقت بمشروع لحفظ القرآن الكريم، وبفضل الله تم قبولي، وأتممت الحفظ كاملًا خلال شهرٍ ونصف فقط."
وعن سرّ هذه العزيمة، أوضحت أنها بدأت بتسميع 15 صفحة يوميًا، واستمرت على هذا المعدل لمدة أسبوع، ثم رفعت وتيرة الإنجاز إلى 20 صفحة، لتصل في المراحل الأخيرة إلى تسميع 57 صفحة في اليوم الواحد.
ولم تقتصر بركة القرآن على الجانب الروحي فحسب، بل انعكست تفوقًا أكاديميًا لافتًا داخل منزل العائلة؛ إذ يبرز من بين أبنائها مالك (23 عامًا)، دكتور صيدلي وخريج جامعة فلسطين، وتوفيق (21 عامًا)، طالب في كلية العلوم التطبيقية، وتسنيم (19 عامًا) ودانيا (18 عامًا)، وكلتاهما تدرسان الطب البشري، إضافة إلى محمد (الصف الثاني عشر) وعبد العزيز (16 عامًا)، وجميعهم أتموا حفظ القرآن الكريم كاملًا. فيما يواصل الابن نسيم (الصف السابع) رحلته بحفظ 13 جزءًا، وتلتحق به الصغرى ملاك (الصف الخامس) التي حفظت أربعة أجزاء حتى الآن، لتكتمل لوحة الحفظ والاجتهاد في هذا البيت الصابر.
ولم تكن سمر وحدها في هذه المسيرة، إذ كان لزوجها الأستاذ غسان توفيق حرز الله، الذي يعمل محاسبًا في أحد المحال التجارية، دورٌ محوري في دعم الأسرة، حيث شكّل سندًا دائمًا ومحفزًا مستمرًا، مقدّمًا الهدايا والجوائز التشجيعية، ما أسهم في خلق روح تنافس إيجابي داخل المنزل.
ورغم عمل سمر متطوعة في إحدى النقاط التعليمية بمدينة غزة لخدمة الطلبة في ظل الظروف القاسية، فإنها لم تُخفِ الواقع الأليم الذي تعيشه، قائلة: "في ظل الحرب والجوع والحصار، كنا نلوذ بالقرآن، فهو مصدر الصبر والقوة، ونرفع أكفّ الدعاء إلى الله أن يرفع عنا الجوع والبلاء."
وعن أمنيتها، وجّهت الرملاوي مناشدة نابعة من قلب أم طموحة، قائلة: "أتمنى الحصول على منحة دراسية لأبنائي الذين يدرسون تخصص الطب."
وفي رسالة وجّهتها إلى جيل الشباب، أكدت الرملاوي أن هذه الأرض ذات خصوصية تتطلب إعدادًا إيمانيًا خاصًا، قائلة: "هذه أرض رباط، وهي بحاجة إلى التقرب من الله وتعزيز العقيدة." كما نصحت الجميع بالإقبال على كتاب الله، معتبرةً أنه "أساس البركة في البيوت، وبه تصان النفوس في مواجهة كل الصعاب."
وتبرز عائلة سمر الرملاوي كآيةٍ من آيات الصمود على أرض غزة؛ فبينما كانت الطائرات تصبّ نيرانها، كانت أصوات القرآن تزرع الطمأنينة في القلوب. لقد أثبتت هذه الأم أن الجوع قد يُنهك الأجساد، لكنه لا يستطيع كسر الأرواح المتصلة بالسماء، ليبقى هذا البيت شاهدًا على أن معركة الوعي والإيمان لا تقل أهمية عن معركة البقاء، وأن جيل القمة يُصنع بآيةٍ تُحفظ وعقيدةٍ تُبنى، لا بضجيجٍ لا يُسمن ولا يُغني من جوع.