فلسطين أون لاين

الصين هدوء وقرارات أوجعت أميركا وتحدّت بلطجة ترامب

العالم كله وقف على مفترق طريق مذهول لواقع غير مسبوق، لم يحصل حتى في القرون الوسطى، ولا مع غزوات الأباطرة وفتوحاتهم ، ولا حتى عند قبائل الجاهلية

حروب إبادة، إسقاط أنظمة، انقلابات، ضحايا، دول مدمّرة، أزمات اقتصادية سياسية وأمنية، وكان آخر فصولها خطف رئيس دولة عنوة، وقرصنة سفن تجارية، جرائم لم يرتكبها أفراد، ولم تنفذها عصابات منظمة خارجة عن القانون أو قراصنة بحار، بل نفذتها دولة عظمى بنخبة جيشها واهم اجهزتها وتفاخرت بها انجاز ولم تعتبر انها تقيم أكبر تمثال للحرية، وتحتضن على أراضيها الأمم المتحدة بقاعاتها ومشتقاتها.

وهي دولة خاضت حروبًا بذربعة نشر الديمقراطية ومن أجل حقوق الإنسان، وتدعي أنها ضمانة الملاحة البحرية وأمنها، وحريصة على محاربة الجريمة المنظمة وتموّل برامج مكافحتها ،كيف لا، وهي صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، ومركز تحويل الأموال، شكّلت عملتها النقدية «الدولار» وحدة نقدية عالمية في تعاملات الأسواق وتداولاتها، ووحدة مقياس لاحتياطيات الدول وموازنات الحكومات ولا يغيب انها رائدة السباق إلى الفضاء، وحرب النجوم، وغزو الكواكب.

إنها الولايات المتحدة الأميركية، التي قامت على أنقاض شعب، لكنها لم تغيّر عقلية رعاة البقر التي حكمت تعاطيها، رغم براغماتية سياسية في التعامل هدفها حماية مصالح مصانع الأسلحة، شركات النفط، المصارف، والمؤسسات الإعلامية والترفيهية، التي جعلت منها قوة تأثير على مركز اتخاذ القرار في أميركا منذ عقود، مُحكمة سيطرتها على القرار السياسي والعسكري وحتى الاقتصادي، على حساب الداخل والخارج.

ما أبقى أميركا في حالة حرب دائمة، والمفارقة أن واشنطن لم تربح أيًّا من حروبها، بما فيها الحرب الباردة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي، لحظة أوصلتها إلى عرش الأحادية القطبية بلا منافس.عاثت حروبًا ودمارًا، نشرت الفوضى، دعمت الإرهاب، وقسّمت الدول.

عقود من حرب السيطرة فتحت شهية بلاد العم سام لحكم العالم، وإحكام القبضة على الموارد النفطية، والثروات الطبيعية، بما فيها الممرات المائية، وصولًا إلى احتكار التكنولوجيا ومحاصرة الاقتصادات النامية والأسواق الناشئة، في مقدّمها الصين، عملاق التكنولوجيا ومارد الاقتصاد، الذي تحوّل خطرًا استراتيجيًا يهدد وجود أميركا على عرش حكم العالم. بمشاريعها التي تمتد من الشرق الأوسط وقاعدتها المتقدمة إسرائيل، وصولًا إلى الخليج والكاريبي، مرورًا بالقوقاز والبلطيق، وحتى أفريقيا وكل بقعة على وجه الأرض أو في أعماق البحار، تحتاجها أميركا في حرب السيطرة وإحكام قبضتها على العالم بلا منازع. بعد فشل سيف العقوبات بتقطيع أوصال قوى جمعت أقطاب الشرق بمشروع وحدة هي "حاجة وجودية" أمام تغوّل أميركا وجشع طموحاتها، التي اعتمدت مشاريع ترسم مستقبل إمبراطوريتها في حكم العالم، بدءًا من الشرق الأوسط، وصولًا إلى اختطاف رئيس فنزويلا وقطع طريق أميركا اللاتينية على تمدد الصين وروسيا وإيران، لمى يشكّل ذلك تهديدًا يقطع طريق سيطرتها على خليج المكسيك ودول أميركا اللاتينية والوسطى في مرحلة صعبة بتاريخ أميركا، على مستوى ضغط اقتصادي قارب مرحلة الانهيار، وارتفاع الدين إلى أرقام غير مسبوقة، ترافق مع تصدّع داخلي تُرجم نقمة شعبية على الإدارة، ومطالبات بالانفصال في بعض الولايات، في وقت عجز فيه ساكن البيت الأبيض عن تنفيذ وعوده الانتخابية بلجم الأسعار ومعالجة مشكلة البطالة والدين العام ضمن سياسة «أميركا أولًا»، التي لم تجلب لدافع الضرائب إلا مزيدًا من الضغوط نتيجة ضعف القدرة الشرائية قبل أن تدق أزمة السندات الحكومية ناقوس الخطر، ليرتفع الدين العام إلى ما يزيد على واحد وأربعين تريليون دولار، وهو رقم يُسجَّل لأول مرة، ويضع امريكا بمستوى دول صاحبة اقتصادات ضعيفة وبالوقت عينه، يُسجَّل على الرئيس ترامب أنه صاحب أطول فترة رئاسية عجز فيها عن تصديق موازنة الدولة، وهو أمر نادرًا ما يحصل في دول تُعتبر فاشلة، تنطبق مواصفاتها اليوم على أميركا الحالية، التي انتهجت أسلوب العصابات من خطف وقرصنة وتهديد للحلفاء قبل الخصوم والعين على الأعداء، وما يجري في بلاد الصين، المارد العسكري والعملاق الاقتصادي الصامت، الذي تحرّك بلغة الحسم واعاد الضربة الى نحر دونالد ترامب بإجراءات عملية وفهم العارف أن سيطرة أميركا على فنزويلا هدفها قطع طريق أميركا الجنوبية على الصين لوقف مسار تطورها، الذي يصعب مواجهته، وهذا يوجب على بكين ردًا يصيب خط الطفو لإمبراطورية العم سام، نظرًا لما يمثّله العدوان على كراكاس من إعلان حرب يقطع طريق قيام عالم متعدد الأقطاب يواجه غطرسة أميركا، يحاصر مجموعة دول «بريكس»، التي سعت أميركا لضربها من الداخل منذ سنوات.

فالصين، التي اعتمدت سياسة الصمت والاستعداد لمواجهة القادم مهما كانت الظروف، تخوض حروبها بجدية وصمت وقرارات حازمة بعيدًا عن البيانات الفارغة تبحث عن هدف وإنجاز بحجم الحدث تجسد بتجاوز أميركا كل الخطوط الحمر لحظة وصوّبت مباشرة باتجاه الصين ، فجاء الرد ضمن حزمة ضمن الاستراتيجية الصينية وتعرف : "الاستجابة الشاملة غير المتماثلة" ردا على عدوان استهدف فنزويلا، أحد شركاء الصين في نصف الكرة الغربي، والتي تُعد رأس الجسر الصيني نحو أميركا اللاتينية، في قلب "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة اتخذت بعده بكين عدة خطوات في إطار الرد:

أولًا: أعلن بنك الشعب الصيني بهدوء التعليق المؤقت لجميع المعاملات بالدولار الأميركي مع الشركات المرتبطة بقطاع الدفاع الأميركي، ما انعكس خسائر كبيرة على شركات الصناعات العسكرية والطيران الأميركية، نتيجة تجميد جميع تعاملاتها مع الصين دون إنذار مسبق.

ثانيًا: أعلنت شركة الشبكة الكهربائية الحكومية في الصين، التي تدير أكبر شبكة كهرباء في العالم، مراجعة تقنية شاملة لجميع عقودها مع موردي المعدات الكهربائية الأميركيين، في خطوة ترجمت فك ارتباط الصين بالتكنولوجيا الأميركية.

ثالثًا: أعلنت الشركة الوطنية الصينية للبترول، وهي أكبر شركة نفط حكومية في العالم، إعادة تنظيم استراتيجية لمسارات إمداداتها العالمية، بمعنى أوضح إعادة تفعيل «سلاح الطاقة»، بإلغاء عقود توريد النفط إلى المصافي الأميركية بقيمة سبعة وأربعين مليار دولار سنويًا.

رابعًا: النفط الذي كان يتجه إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة أُعيد توجيهه إلى الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، وإلى شركاء آخرين في الجنوب العالمي، وأسفر ذلك عن قفزة في أسعار النفط بنسبة ثلاثة وعشرين في المئة خلال جلسة تداول واحدة.

خامسًا: تحت مسمّى تحسين المسارات التشغيلية، نفّذت شركة الشحن البحري الصينية، التي تسيطر على أربعين في المئة من القدرة العالمية للنقل البحري، إجراءات أدت إلى تجنّب السفن الصينية الموانئ الأميركية الكبرى.

(وهذه الموانئ تعتمد بشكل أساسي على لوجستيات بحرية صينية للحفاظ على سلاسل إمدادها، فوجدت نفسها فجأة من دون خمسة وثلاثين في المئة من حركة الحاويات المعتادة، ما شكّل كارثة حقيقية لشركات تجارة التجزئة الأميركية الكبرى، التي تعتمد على السفن الصينية لاستيراد البضائع المصنّعة في الصين)

أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الإجراءات هو توقيتها المتزامن، الذي أحدث تأثيرًا متسلسلًا ضاعف الأثر الاقتصادي على نحو هائل.
لم يكن الأمر تصعيدًا تدريجيًا، بل صدمة نظامية صُمّمت لتعطيل القدرة الأميركية على الرد.

وقبل أن تنتهي الحكومة الأميركية من استيعاب الضربة، فعّلت الصين حزمة جديدة من الإجراءات تمثلت في تعبئة الجنوب العالمي، بعرض قدّمه وزير خارجية الصين لكل من البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وإيران وتركيا وإندونيسيا، إضافة إلى ثلاث وعشرين دولة أخرى، بمنح شروط تجارية تفضيلية فورية لأي دولة تلتزم علنًا بعدم الاعتراف بأي حكومة فنزويلية تصل إلى السلطة بدعم أو تدخل أميركي ، وكان الجواب خلال أقل من أربع وعشرين ساعة، بموافقة تسع عشرة دولة على العرض، كانت البرازيل أولها، تلتها الهند وجنوب أفريقيا والمكسيك.

وبهذا تجسّد عمليًا مفهوم "العالم المتعدد الأقطاب" من بوابة المارد الصيني، لحظة نجحت بكين في تشكيل ائتلاف مناهض للولايات المتحدة فورًا، مستخدمة سلاح الحوافز الاقتصادية.كل هذا كان قبل اللمسة السحرية المالية بإعلان نظام المدفوعات الصيني العابر للحدود بين البنوك عن توسيع قدرته التشغيلية لاستيعاب أي معاملة دولية ترغب في تجنّب النظام المالي الخاضع لسيطرة واشنطن، ما يعني أن الصين وضعت بين يدي العالم بديلًا كاملًا وفعّالًا عن النظام المالي الغربي ،وقد حقق النظام في أول يومين من تشغيله معاملات بقيمة تسعة وثمانين مليار دولار، وفتحت البنوك المركزية في أربع وثلاثين دولة حسابات تشغيلية ضمنه، ما يعني تسارع عملية نزع الاعتماد على الدولار عن أحد أهم مصادر تمويل الولايات المتحدة.

ليأتي القرار الأكثر إيلامًا على الجبهة التكنولوجية، بإعلان الصين، التي تسيطر على ستين في المئة من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة، فرض قيود مؤقتة على تصدير هذه المعادن إلى أي دولة دعمت اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو فقد أثار هذا القرار قلقًا بالغًا لدى عمالقة التكنولوجيا الأميركية، التي تعتمد على سلاسل التوريد الصينية في مكونات أساسية، إذ باتت أنظمتها الإنتاجية مهددة بالانهيار خلال أسابيع.

 قرارات غيرت الصورة وقلبت المشهد كل خطوة كانت توجّه ضربة مباشرة لقلب الاقتصاد الأميركي تهز امبروطوريته من دون إعلان حرب بسياسة "تحرّك، تؤثّر، وتفرض وقائع جديدة."

المصدر / فلسطين أون لاين