فلسطين أون لاين

المرحلة الثانية بلا انسحاب ولا معابر: هل بدأت فعليًا أم تُفرغها "إسرائيل" من مضمونها؟

...
الدمار الذي خلفه قصف الاحتلال على قطاع غزة خلال حرب الإبادة الجماعية (أرشيفية)
غزة/ محمد الأيوبي-نور الدين صالح

رغم الإعلان الأميركي عن بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، تتزايد المؤشرات على أن هذا الانتقال لا يزال محاطًا بالشكوك، في ظل غياب الملفات الجوهرية عن المشهد، واستمرار الاشتراطات الإسرائيلية التي تهدد بتحويل المرحلة الجديدة إلى خطوة شكلية بلا أثر فعلي على الأرض.

ففي الوقت الذي روج فيه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف للمرحلة الثانية باعتبارها انتقالًا نحو إدارة تكنوقراطية، وإعادة إعمار، ونزع سلاح، سارعت حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى التقليل من شأنها، وجرها إلى مربع الشروط المؤجلة، وفي مقدمتها نزع سلاح المقاومة، متجاهلة ملفات الانسحاب وفتح المعابر وإدخال المساعدات، في إعادة إنتاج واضحة لنهج المماطلة الذي طبع المرحلة الأولى من الاتفاق.

وعقب الإعلان الأمريكي، سارع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى القول، إن الإعلان عن إقامة حكومة تكنوقراط ونشر تشكيلتها هو "خطوة تصريحية فقط". كما تأكد في تقارير عبرية لاحقة، لفتت إلى أن جيش الاحتلال لن ينسحب من مناطق "الخط الأصفر" التي يسيطر عليها في قطاع غزة.

رؤية إسرائيلية

يرى مدير مركز يبوس للاستشارات والدراسات الإستراتيجية، سليمان بشارات أن توصيف نتنياهو للانتقال إلى المرحلة الثانية باعتباره "رمزيًا" لا ينفصل عن الرؤية الإسرائيلية العامة التي تسعى إلى إبقاء هذه المرحلة في إطارها البروتوكولي دون تطبيق على الأرض.

ويقول بشارات لـ "فلسطين أون لاين"، إن "إسرائيل"، من منظورها الأمني والسياسي، تدرك جيدًا أن الانتقال الحقيقي إلى المرحلة الثانية يحمل أثمانًا استراتيجية لا ترغب بدفعها، وفي مقدمتها الانسحاب من قطاع غزة إلى ما بعد "الخط الأصفر"، إلى جانب تسليم إدارة القطاع لإدارة فلسطينية كاملة، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، والانخراط في برنامج إعمار شامل.

ويضيف أن تحقيق هذه الاستحقاقات يعني، بالنسبة لـ"إسرائيل"، الإقرار بفشل ما سعت إلى تحقيقه منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهو ما يدفعها إلى محاولة تفريغ المرحلة الثانية من مضامينها الحقيقية، وربطها بشروط جديدة، على رأسها قضية نزع سلاح المقاومة.

ويشير إلى أن هذا التوجه الإسرائيلي ظهر خلال المرحلة الأولى من الاتفاق، حيث وضعت "إسرائيل" العديد من العراقيل التي حالت دون التنفيذ الكامل لبنودها، في محاولة لفرض نموذج تفاوضي يقوم على المماطلة وخلق الوقائع البديلة على الأرض.

ويحذر من أن "إسرائيل" ستسعى في المرحلة المقبلة إلى اعتماد الأسلوب ذاته، عبر جعل مسألة نزع سلاح المقاومة القضية المركزية، واستخدامها كأداة لعرقلة أي تقدم فعلي، أو لفرض مسار تفاوضي جديد يفرغ الاتفاق من جوهره.

في المقابل، يلفت بشارات إلى أن الولايات المتحدة تبدو، حتى الآن، الطرف الذي سيقود مسار المرحلة الثانية، ما يضع "إسرائيل" في موقع المجبر على التعاطي مع أي مسار ترسمه الإدارة الأمريكية، معتبرًا أن "كلمة السر" الحقيقية لإنجاح هذه المرحلة تبقى في البيت الأبيض، وتحديدًا في موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب.

غير أن بشارات يحذر من أن أي تراخ أمريكي سيفتح المجال أمام "إسرائيل" للتلاعب بالاتفاق، مستحضرًا في هذا السياق إدراك نتنياهو لانعكاسات المرحلة الثانية على المشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي، وهو ما يدفعه إلى تقليص فرص الانتقال إليها بشكل فعلي، أو فرض واقع جديد قائم على هيمنة أمنية وعسكرية إسرائيلية داخل قطاع غزة.

ورغم ذلك، يجزم بشارات أنه لا يمكن التعويل بشكل كامل على الموقف الأمريكي، كما لا يمكن الرهان على التزام إسرائيلي حقيقي، مشددًا على أن الميدان سيبقى العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هناك جدية فعلية في الانتقال إلى المرحلة الثانية، أم أن الأمر سيبقى في الإطار البروتوكولي فقط.

ملفات عالقة

من جانبه، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي، د. محمد هلسة، أن الإعلان عن تشكيل لجنة تكنوقراط يأتي في سياق محاولة أمريكية لإشعار الأطراف كافة بأن واشنطن "تقدم شيئًا ما"، رغم أن القضايا الجوهرية التي ظلت عالقة لم يجر حسمها، بل جرى ترحيلها إلى مراحل لاحقة.

ويوضح هلسة لـ"فلسطين أون لاين"، أن الولايات المتحدة، عند إعلانها بدء المرحلة الثانية، اكتفت بما أُنجز شكليًا، وتجاوزت الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها مسألة "القوة الدولية"، التي كان يُتوقع الإعلان عنها قبل الحديث عن لجنة التكنوقراط.

كما كان من المنتظر – بحسب هلسة – تشكيل "مجلس السلام" أولًا، باعتباره المرجعية السياسية والتنظيمية التي يُفترض أن تستند إليها لجنة التكنوقراط، لا العكس. ويعتبر أن هذا الترتيب المعكوس يعكس حالة إرباك واضحة في تراتبية البنية الإدارية والسياسية التي يُراد لها أن تحكم قطاع غزة، ويطرح علامات استفهام حول جدية المشروع برمته.

وفي قراءة للسلوك الأمريكي، يلفت هلسة إلى أن الإعلان عن لجنة التكنوقراط يحمل بعدًا استرضائيًا لـ"إسرائيل"، التي تصر على تغييب حركة حماس عن المشهد الإداري والسياسي في القطاع. غير أن الموقف الإسرائيلي، كما يراه هلسة، لا يتعامل بجدية مع الإعلان الأمريكي، إذ تنظر "إسرائيل" إلى مسألة لجنة التكنوقراط، بل وإلى المرحلة الثانية برمتها، بوصفها خطوة شكلية وبروتوكولية لا تفرض عليها أي التزامات حقيقية، فـ"إسرائيل"، معنية فقط باستمرار اشتراطاتها التي ثبتتها منذ المرحلة الأولى، وقد وجدت في الإعلان الأمريكي ما ينسجم مع هذه الرؤية.

ويتقاطع بشارات وهلسة عند نقطة مركزية، تتمثل في ما غاب عن الإعلان الأميركي، إذ جرى التأكيد على استعادة الجثمان الإسرائيلي المتبقي في غزة، وعلى نزع سلاح المقاومة، في مقابل تغييب قضايا الانسحاب، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية اليومية.

ويرى هلسة أن هذا الغياب يخدم "إسرائيل" بشكل مباشر، إذ يسمح لها بالانتقال شكليًا إلى المرحلة الثانية، مع حمل كل التحديات والسقوف التي فرضتها في المرحلة الأولى، دون تقديم أي تنازل جوهري.

أما بخصوص لجنة التكنوقراط ذاتها، يعتقد هلسة أن "إسرائيل" تريدها "بطة عرجاء"، فاقدة للأدوات والصلاحيات اللازمة للنجاح. فنجاح اللجنة – كما يوضح – مشروط بتعاون الطرف الآخر وتذليل العقبات أمامها، في حين أن "إسرائيل" ما زالت تتحكم بالمعابر، وبإدخال المساعدات، وبحرية حركة أعضائها، بل وعرقلت خروج بعض أعضائها لاجتماعات خارجية في مصر.

ويضيف أن اللجنة، وفق التصور المطروح، لا تملك أي صلاحيات أمنية، ويقتصر دورها على إدارة الملفات المدنية، مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية، وهي ملفات تتحكم "إسرائيل" بمفاصلها الأساسية. ويتساءل هلسة: كيف يمكن للجنة أن تعالج أوضاع الإشفاء، أو الإيواء، أو الإعمار، لمواطن يعيش في خيمة ممزقة، دون استجابة إسرائيلية تسمح بإدخال المواد والمعدات اللازمة؟

ويحذر من أن "إسرائيل" ستواصل ابتزاز لجنة التكنوقراط، وابتزاز الحالة الفلسطينية برمتها، في محاولة لفرض اشتراطاتها السياسية والأمنية، مشيرًا إلى أن أدوات السيطرة الإسرائيلية ما زالت حاضرة بقوة: الانتهاكات اليومية، وحرية العمل العسكري، والتحكم بالمعابر، والسيطرة على مساحات واسعة من الأرض، وخلق الذرائع والتشكيك الدائم في نوايا الطرف الفلسطيني.

ويخلص هلسة إلى أن هذا المشهد قاتل للطرف الفلسطيني، لكنه مريح لـ"إسرائيل"، خاصة في ظل موسم انتخابي داخلي، يتيح لليمين الحاكم إبقاء حالة التوتر والتصعيد، بما يخدم أجندته السياسية ويمنحه رصيدًا إضافيًا أمام الجمهور الإسرائيلي.

من جهته، يرى الكاتب والمحلل السياسي علاء الريماوي، أن عوامل فشل اللجنة تبدو أكبر من عوامل نجاحها، غير أن حجم الاحتياج الإنساني قد يخفف من بعض المعيقات ويفتح هامشاً محدوداً لنجاحها في ملفات بعينها.

ويستعرض الريماوي في منشور عبر صفحته على "فيسبوك"، أبرز عوامل الفشل التي ستصيب عمل اللجنة وتتمثل في المرجعية الدولية التي ستُحدث تبايناً عميقاً بين متطلبات الحالة الفلسطينية والإرادة الدولية لاختلاف الأهداف والمخرجات التي تسعى إليها الأطراف المختلفة.

ووفق تقديره، فإن الجغرافيا السياسية لغزة تعتبر واحدة من عوامل الفشل، إذ التعقيد القائم بين مناطق تخضع لسيطرة الاحتلال المباشر وأخرى تحت إدارة فلسطينية، ما سيخلق معيقات ميدانية وإدارية يصعب تجاوزها.

وبيّن أن تعريف "إسرائيل" للجنة ودورها وحدود عملها سيحد بشكل مباشر من قدرتها على الحركة والانجاز، إضافة إلى أن ربط ملفات الاعمار والانسحاب بقضايا السلاح وتفكيكه وتقليص التأثير الحزبي سيؤدي إلى تعقيدات ميدانية وسياسية كبيرة.

وختم الريماوي حديثه "يبقى التحدي الأهم مرتبطاً بالسلوك الإسرائيلي على الأرض داخل قطاع غزة. النجاحات المتوقعة ستكون محدودة ومرتبطة بسقوف منخفضة ومن شأنها أن تفتح نقاشات وخلافات واسعة، قد تنتهي بعد فترة باستقالات داخل اللجنة نفسها".

المصدر / فلسطين أون لاين