عند تدقيق خريطة الشرق الأوسط المتشظية، تبدو الأحداث اليومية المتلاحقة من رفح إلى جنوب سوريا حتى إيران، مجرد "أعاصير" عابرة. إلا أن قراءة متأنية لهذه التفاصيل تكشف أنها في حقيقتها حلقاتٌ متسلسلة في مخطط جيوسياسي كبير ومتماسك، تخطّط له واشنطن وتنفذه تل أبيب. بينما تقف الدول العربية في الغالب متفرجة، محصورة بين حساباتها الضيقة ومخاوفها الاستراتيجية.
1. التدمير الممنهج: غزة بين المجاعة والنسيان
تُختزل مأساة غزة أحياناً في أرقام الشهداء، مثل 21 شهيداً بينهم 18 طفلاً قضوا برداً قارساً. لكن هذا الحدث ليس محض كارثة إنسانية عابرة، بل هو نتيجة منطقية لسياسة تدمير منهجية شاملة.
· الإبادة الاقتصادية: الحرب لم تدمر فقط المباني في غزة بل دمرت مقومات الاقتصاد بوعي وحساب ،
. تقارير محايدة تشير إلى انكماش اقتصاد غزة بنسبة 92%، وتدمير 84% من المنشآت الصناعية وتوقف 85% عنها عن الإنتاج. كما انهارت 98% من حركة الإنشاءات و93% من القطاع الزراعي، مما يعني إبادة متعمدة لقدرة القطاع على إطعام نفسه.
· فقر البقاء: تحول الفقر من مفهوم اقتصادي إلى قضية بقاء ، حيث انزلق معظم سكان غزة تحت خط الفقر الكلّي، مع معدلات بطالة تصل إلى نحو 80%. وبات 91% من السكان يعانون من أزمة غذائية حادة.
· النسيان المتعمَّد: بعد وقف إطلاق النار في أواخر 2025، بدأ المجتمع الدولي الأقوى بالتحول عن القضية الفلسطينية، على الرغم من استمرار العنف الإسرائيلي واستنزاف القيادات في غزة فضلا عن المواطنين العزل في المخيمات وحقيقة أن الحكومة الإسرائيلية ترفض بوضوح فكرة دولة فلسطينية ذات سيادة.
. المعاناة اليومية للمواطنين، من الإذلال إلى النزوح والجوع، صارت جزءاً من استراتيجية لـ "تطبيع الوضع القائم" ودفع الفلسطينيين نحو اليأس أو الهجرة، كمقدمة لإغلاق الملف إلى الأبد.
2. سوريا: هندسة المنطقة العازلة وتقسيم الدولة
النقاش الإسرائيلي الحالي حول رفض الانسحاب من جبل الشيخ وعدم السماح لسوريا بامتلاك منظومات دفاع جوي متقدمة، ليس مجرد تفاصيل أمنية، بل هو جوهر المشروع الإسرائيلي-الأمريكي.
· فرض واقع جديد: بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، توسعت إسرائيل في الأراضي السورية وفرضت سيطرتها على ما يزيد عن 400 كيلومتر مربع، متجاوزة اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. تريد إسرائيل تحويل جنوب سوريا إلى منطقة عازلة دائمة ومنزوعة السلاح، تحت سيطرة أو نفوذ إسرائيلي مباشر.
· منطق التقسيم: يؤكد محللون أن ما تفعله إسرائيل هو "تقسيم لسوريا" وخلق إمكانية لحركة انفصالية بين الدروز في الجنوب، أو على الأقل ضمان تبعية هذه المنطقة ، وهذا ينسجم مع تقارير عن مقترح أمريكي بإنشاء "منطقة اقتصادية مشتركة منزوعة السلاح" على جانبي الحدود.
· أدوات الضغط: ترفع إسرائيل شعار "حماية الأقليات"، خاصة الدروز، كغطاء للتدخل في الشؤون الداخلية السورية وإبقاء الدولة السورية الجديدة ضعيفة ومقسمة.
. مفاوضات مشروطة : تتم المفاوضات بين حكومة سوريا الحالية والجانب الاسرائيلي تحت إشراف أمريكي مباشر، حيث تقود واشنطن الجهود لإبرام ترتيبات أمنية تحقق الاستقرار من وجهة نظرها، لكنها تقبل في الوقت ذاته تحركات إسرائيل العسكرية تحت ذريعة "التهديد الأمني المباشر".
3. إيران: الحصار الاقتصادي والتآمر لإسقاط النظام عبر الفوضى الداخلية.
تندرج تهديدات ترامب المتجددة بفرض رسوم جمركية قاسية على كل من يتعامل تجارياً مع إيران ضمن الإطار الأوسع لاستراتيجية الخنق "الحد الأقصى". هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى إضعاف الدولة اقتصادياً وعزلها دولياً، بل تسعى إلى خلق الظروف المثالية لإشعال فتنة داخلية تُنهك النظام وتُضعف تماسكه ، هذا يأتي في وقت تواجه فيه إيران أزمات هيكلية عميقة في أمنها المعيشي، مع انقطاع متكرر للكهرباء وشح في المياه رغم احتياطاتها الهائلة من الغاز، وارتفاع التضخم السنوي لأكثر من 40%، في ظل تدهور حاد لقيمة الريال وتراجع مستويات المعيشة بشكل عام.
الأكثر خطورة في هذا السياق هو الدور التخريبي الذي تقوم به أجهزة مخابرات أجنبية، وعلى رأسها الموساد الإسرائيلي، بالتنسيق مع دوائر استخباراتية أمريكية، لاستغلال حالة السخط الشعبي وتحويل الاحتجاجات السلمية المشروعة إلى أعمال عنف وفوضى تُزعزع استقرار البلاد.
· تأجيج العنف من الداخل: تشير تقارير وتحليلات أمنية إلى أن عناصر مرتبطة بالموساد تعمل على تسلل المتظاهرين السلميين وتوجيههم نحو ارتكاب أعمال تخريب ، يتم ذلك عبر التحريض المباشر عبر منصات التواصل، وتمويل مجموعات صغيرة، وتوفير وسائل الإشعال لتحويل المظاهرات إلى اشتباكات عنيفة مع قوات الأمن ، الهدف المعلن هو "إسقاط النظام"، بينما الهدف الاستراتيجي هو إشغال إيران بأزمات داخلية تعجز معها عن لعب أي دور إقليمي فاعل يدعم محور المقاومة.
· استهداف مؤسسات الدولة الحيوية: لا تقتصر العمليات على الشوارع، بل تتعداها إلى استهداف المرافق والمؤسسات الحيوية للدولة ، و قد تم توثيق محاولات متكررة لإشعال حرائق في منشآت حكومية، ومؤسسات اقتصادية، ومراكز أمنية، في محاولة لتصوير الدولة على أنها عاجزة عن حماية مقدراتها، وبالتالي تقويض شرعيتها لدى المواطنين.
· التخطيط لإراقة الدماء: يتبع هذا التآمر منهجية ممنهجة لـ إيقاع قتلى بين صفوف المتظاهرين السلميين وقوات الأمن الإيرانية على حد سواء ، عبر إطلاق نار متعمد من جهات مدعومة من الموساد أو عبر استفزاز قوات الأمن للرد بعنف لسقوط ضحايا أبرياء يُستخدم بعد ذلك في حملة دعائية ضخمة لتشويه صورة الدولة وتصويرها على أنها "تقمع شعبها"، بينما تُقدَّم أعمال التخريب على أنها "ثورة شعبية". كل ذلك يحدث وفقاً لأوامر وأجندة مشتركة أمريكية-إسرائيلية تهدف إلى زعزعة الاستقرار من الداخل.
هذا المزيج من الضغط الاقتصادي الخارجي الخانق، والتآمر الأمني الهادف لإشعال حرب أهلية مصغرة، يمثل تحدياً وجودياً للنظام الإيراني ، الخطة الأمريكية-الإسرائيلية الواضحة هي دفع إيران نحو حافة الهاوية، ليس فقط لشل قدرتها على دعم حلفائها، بل لتحويلها إلى بؤرة فوضى تستهلك نفسها بنفسها، فتزول كعقبة رئيسية أمام إتمام المخطط الإقليمي الأكبر في فلسطين وسوريا.
4. الموقف العربي: بين الصمت والمشاركة
الموقف العربي من هذه التطورات على محورين رئيسيين:
· المحور الرسمي الصامت أو المتواطئ: تخضع معظم الدول العربية لحسابات المصلحة الضيقة. فبعضها يعتمد على الدعم الأمريكي والعلاقات الأمنية مع إسرائيل، ويرى في إيران التهديد الأول، مما يجعله يتغاضى عن الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين ولبنان وسوريا. و تحذيرات بعض الدول الخليجية لواشنطن من مهاجمة إيران بسبب الخوف على استقرار أسواق النفط، تظل ضمن هذه الحسابات الاقتصادية، وليس دفاعاً عن السيادة الإقليمية.
· محور التحالفات والمشاريع المنافسة: في المقابل، تتصارع قوى إقليمية أخرى على النفوذ في الفضاء الذي تتركه هذه الاستراتيجية. فالتنافس السعودي-الإماراتي على اليمن والهيمنة قد يصل إلى نقطة حرجة تهدد تماسك مجلس التعاون الخليجي. كما تسعى تركيا لتحويل مناطق نفوذها في شمال سوريا إلى وجود إداري دائم. هذا الانقسام والتشتت العربي هو المجال المثالي لاستمرار المشروع الأمريكي-الإسرائيلي دون مقاومة جادة نحو شرق أوسط جديد تحت الهيمنة .
تشكل هذه الأحداث مجتمعة صورة شرق أوسط جديد تُشكله واشنطن وتل أبيب: غزة تُفكَّك وتُنسى، سوريا تُقسم وتُضعف، إيران تُخنق وتُعزل. يتم كل هذا تحت ستار "الترتيبات الأمنية" و"منع التصعيد"، بينما الهدف الحقيقي هو إزالة أي عقبة تمنع الهيمنة الكاملة وفرض حل نهائي يلغي الحقوق الوطنية الفلسطينية ويُطبع الاحتلال الإسرائيلي الموسع.
الصمت العربي الرسمي، الذي يتخفى أحياناً وراء خطاب دبلوماسي خجول، هو ليس مجرد موقف سلبي، بل هو عامل تمكين رئيسي لهذا المخطط. السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى سيكون سقف الموقف العربي هو الدعوات الإنسانية والقلق من زعزعة الاستقرار، بينما تُعاد هندسة المنطقة من حوله بشكل جذري، وتُدفن قضيتها المركزية تحت أنقاض غزة وسهول الجولان؟ المستقبل القريب سيحدد ما إذا كان هذا الصمت استراتيجية مؤقتة، أم أنه القاعدة الدائمة لمشهد إقليمي تحكمه إرادة القوة الواحدة وحلفائها.

