فلسطين أون لاين

من غزة إلى القدس: كيف هندس صلاح الدين خارطة النصر؟

تمر ذكرى التحرير الصلاحي للقدس بالتقويم الهجري، في ظلال واقعٍ بالغ الصعوبة تعيشه فلسطين عامة، والقدس وغزة على وجه الخصوص، وكما نعيش هجمة شرسة على فلسطين والمشرق العربي، شهد عام 1095، انطلاق واحدةٍ من أقسى الحروب على منطقتنا، دشّنها في ذلك التاريخ البابا أوربان الثاني في مجمع "كليرمونت" الشهير، إذ أشعل خطاب البابا آنذاك إعصارًا غير وجه المنطقة، وأطلقت واحدةً من أطول الحروب تجاه العالم الإسلامي، استمرت نحو قرنين من الزمان، فبعد 4 سنوات من خطاب أوربان سقطت القدس في أيدي الصليبيين في عام 1099م، وصدمت الأمة حينها بمجازر فظيعة، تلاها تأسيس عددٍ من الإمارات الصليبية في القدس وطرابلس والرها وغيرها.

وعلى الرغم من حالة الضعف في الأمة إلا أن محاولات استعادة زمام المبادرة بدأت بالتبلور، حتى وصلت إلى عماد الدين زنكي الذي استطاع تحرير مدينة الرها من الاحتلال الصليبي في 6 جمادى الآخرة 539 ه، ثم خلفه نور الدين الذي كسر الحملة الصليبية الثانية، واستطاع توحيد بلاد الشام ومصر، مع إسقاط الدولة الفاطمية على يدي صلاح الدين الأيوبي، ما عزز بوادر استعادة الأمة لزمام المبادرة.

سنوات الإعداد: ترميم البيت الداخلي

وبعد وفاة نور الدين شهدت بلاد الشام اضطرابًا بين ورثته وأمرائه، فأدت هذه الخلافات إلى تأخير التحرير نحو 12 عامًا، وهي السنوات التي قضاها صلاح الدين في إعادة توحيد الشام. فما بين 570 و582 ه، فقد عمل صلاح الدين على إعادة توحيد الشام، فاستطاع فرض سلطته على دمشق، وحماة، وحمص، وبعلبك، ومن ثم الرها وحران وغيرها، وفي 582 ه دخلت الموصل وما يتبعها في حكمه. وفي خضم هذه الجهود العسكرية الكبيرة لتوحيد بلاد الشام، شهدت هذه المرحلة عددًا من المعارك والمناوشات مع الصليبيين الفرنجة، وقد سمحت لصلاح الدين بالتعرف بشكل مباشر على قدرات العدو وخططه خلال الحروب.

هندسة النصر: معالم المشروع الصلاحي

لم تكن السنوات التي قضاها صلاح الدين من دون هدف، فقد بنى فيها استراتيجيته في إعداد البيئة المناسبة والممهدة لتحرير القدس، واستطاع من خلالها أن يقوى جبهة المسلمين الداخلية، اقتصاديًا وعسكريًا، ومن أبرز ما تضمنته هذه الاستراتيجية ما يأتي:

1. توحيد المناطق الإسلامية المحيطة بفلسطين، متمثلة بالشام ومصر، لإعادة تشكيل القاعدة الصلبة القوية والآمنة، وهي الخطوة التي مهد لها نور الدين زنكي من قبل.

2. إصلاح الاقتصاد الإسلامي، وتحويل موارد الدولة من الاعتماد على الضرائب والمكوس التي كانت تفرض على عامة الناس، إلى مصادر أخرى متنوعة وشرعية، من بينها الجزية والخراج والغنائم، وإنفاق هذه الأموال في أوجهها المحقة، وإقامة الحصون وتشييد القلاع، ودعم الجهد العسكري الإسلامي.

3. إصلاح التجارة والزراعة، وبناء البنى التحتية اللازمة لتحسين الإنتاج الزراعي ونقله، وتجلى في تبادل المحاصيل الزراعية ما بين بلاد الشام ومصر، في سياق تحسين حياة الناس حينها، وتأمين ما يلزم للجيوش الإسلامية من إمداد وغذاء، وقد انعكست هذه الأمور على قطاعات مختلفة، فتطورت التجارة والصناعة.

4. بناء القدرة العسكرية للجيش الإسلامي، فعمل على تحصين المدن والقلاع، وعزز قدرات الجيش الإسلامي البحرية، لمواجهة أساطيل الصليبيين الفرنجة، وإدخال أساليب مختلفة في حشد الجيش وتقسيمه بحسب أنواع الأسلحة المستخدمة وغيرها من الطرق.

5. الاهتمام بالخدمات العامة وفي مقدمتها المشافي، فقد بنى صلاح الدين العديد من البيمارستانات (المشافي)، في أصقاع مختلفة من دولته، ففي القاهرة والقدس والإسكندرية وعكا، وهو ما يعكس حرصه على حفظ صحة الناس، وتطور العلوم الطبية في الحضارة الإسلامية حينها.

6. وضوح هدف صلاح الدين بتحرير القدس من الصليبيين الفرنجة، وحشد كل الطاقات البشرية والعسكرية في سبيل تحقيق هذا الهدف.

غزة بوابة القدس ومفتاحها

وفي سياق الإعداد للفتح الكبير، لم تكن غزة غائبة عن الرؤية الاستراتيجية للسلطان صلاح الدين، فغزة أبرز ثغور بلاد الشام، وبوابة العبور إلى القدس، وشرط استكمال الطوق حول المدينة لتحريرها، فقد بدأ الاهتمام الأيوبي باستعادة غزة في وقتٍ مبكر، منذ عام 566هـ/1170م، حين شن صلاح الدين هجومًا مباغتًا سيطر فيه على المدينة السفلى (أي غزة)، رغم تحصن "فرسان المعبد" في قلعتها المنيعة، واستبسل الجيش الإسلامي في محاولاته السيطرة على المدينة، وأثمر هذا الإصرار في عام 583هـ/1187م على أثر معركة حطين المفصلية، حيث شكل تحرير غزة وعسقلان نقطة تحول مركزية مكنت جيش المسلمين من التفرغ للهدف المركزي المتمثل بتحرير مدينة القدس، وهو ما رصده المؤرخ بهاء الدين بن شداد بدقة حين وصف حال صلاح الدين بعد استعادة غزة والساحل، مؤكدًا أنه حينها "شمّر عن ساق الجد" وقصد القدس، وقد اجتمعت عليه العساكر المتفرقة، ليكون تحرير غزة بذلك هو المقدمة الميدانية المباشرة لعودة بيت المقدس.

الفتح المبين: وعدٌ أنجز وبشارة تتجدد

مهدت هذه الاستراتيجية وتحرير غزة وعسقلان وتوافد جحافل المسلمين، الطريق لتحقيق الانتصار الضخم في معركة حطين في 24 ربيع الآخر 583 ه/ 4 تموز 1187م، ومن ثم تحرير العديد من المدن الفلسطينية ومنها طبريا وعكا والناصرة وصفورية وغيرها، وفرض صلاح الدين الحصار على القدس في 15 رجب 583 هـ/ 20 أيلول 1187م، وبعد العديد من المراسلات بين الطرفين، قبل صلاح الدين إعطاء الصليبيين الأمان مقابل فدية عن كل من يخرج من المدينة منهم، وتم تسليم المدينة في 27 رجب 583 هـ/2 أكتوبر 1187م، بالتزامن مع ذكرى الإسراء والمعراج. وأمر صلاح الدين بإزالة ما أقامه المحتلون في الأقصى، وأمر بجلب منبر نور الدين إلى المسجد.

وفي خطبة الفتح التي نقلها مؤرخ صلاح الدين شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية"، وألقاها في تلك الوقفة المهيبة قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي الشافعي رحمهم الله جميعًا، نلمح صورة لما سيكون عليه التحرير القادم للقدس، مهما تغول محتلّ وعاث العدو في أرضنا وشعبنا وأبنائنا قتلًا وتهجيرًا وتشريدًا: لقد أنقذتم "المسجد الأقصى الذي.. هو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين..؛ فطوبَى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية والوقعات البدْرية، والعزمات الصديقية والفتوحات العمرية، والجيوش العثمانية والفتكات العلوية! جددتم للإسلام أيام القادسية والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية؛ فجزاكم الله عن نبيه محمد ﷺ أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مُهَجِكم في مقارعة الأعداء"!!

وكما حضر جيش صلاح الدين هذه الخطبة، لا ريب سنحضر مثلها، مهما ران ظلم وامتدّ الظلام...

المصدر / فلسطين أون لاين