فلسطين أون لاين

إيران بين ثقافة الثورة وإرهاب شيطان العصر؟

لم يتوقّف سيل اللعاب الأمريكي على إيران منذ تحوّلها من دور الشرطي الأمريكي في المنطقة إلى الداعم الرئيسي للمقاومة الفلسطينيّة عام 1979، ولا يزال جيلنا يذكر يوم انتصرت الثورة الإسلامية هناك، وانعكس ذلك فورًا على الثورة الفلسطينية، حيث تحوّلت السفارة الإسرائيلية إلى مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية. ولم يتوقّف التحريض الإسرائيلي على إيران، وضخّ سموم الحقد وشيطنة إيران في المنطقة. تبدّلت السياسات والاصطفافات كثيرًا منذ ذلك الحين، وحاولت أمريكا استبدال عداوة "إسرائيل" الطبيعية في منطقة لا تراها إلا عدوًّا، بإيران، والتي من المفترض طبيعيًّا (كما كان يردّد ذلك محمد حسنين هيكل) أن تكون عمقًا أمنيًّا للعرب وذخرًا استراتيجيًّا للقضيّة الفلسطينية.

واليوم، وأمام هذا السُّعار الأمريكي والصهيوني الداعي لتدمير إيران، من الواضح أنّه لا يريد سوى تطويع المنطقة بأسرها، وضرب كلّ ما يعارض هذا التطويع. والمقصود الواضح في الدعوة إلى عودة نظام الشاه البائد، أو ما يشبهه في الولاء والانصياع للسياسة الأمريكية قلبًا وقالبًا، وخضوعًا تامًّا لا يُبقي ولا يذر لأيّ نفسٍ حرٍّ صادقٍ داعمٍ لفلسطين ومقاومتها.

لأصحاب الحسابات التي تلتقي مع هذه الأهداف الأمريكية والصهيونية اليوم بات اللعب على المكشوف؛ لقد كُشفت كلّ أوراق اللعبة التي ضُخّت لعقودٍ من الزمن: قصّة السُّنّة والشيعة، وضرب كلّ محاولات اللقاء، ولو بحدّها الأدنى، في المصالح المشتركة. انكشف الموقف الرسمي العربي بمجمله أنّه ما كان إلّا دائرًا في الفلك الأمريكي؛ تنتظم سياساته مع ما يريده الأمريكي، وبالطبع لا يكشف سرّ هذا الانحياز، وإنّما يجيد تغليفه بأمورٍ مذهبيّة وسواتر تاريخيّة، يثير من خلالها الضغائن، ويعمّق الهوّة، ويفسخ كلّ الجهود الممكنة لتوفير حاضنةٍ للمقاومة الفلسطينية؛ فلا هم ساندوها، ولا يريدون لغيرهم أن يتقدّم عليهم في هذه المساندة.

أمريكا اليوم، بحسّها الإنساني المرهف، تضع قلبها الجميل على الإنسان الإيراني، وتحمل لواء الدفاع عنه وعن حريّته. أمريكا التي انخرطت في حرب الإبادة في غزّة بالباع والذراع، أمريكا التي قتلت ما قتلت بأسلحتها الفتّاكة والثقيلة، وما زالت تترك من نجا من الإبادة في العراء يفترش ماء المطر ويلتحف القهر، هي ذاتها تتباكى على الإنسان الإيراني، رغم أنّها هي السبب الرئيس في معاناته، بما تفرض من حصارٍ اقتصاديٍّ خانق، بالتعاون مع حلفائها الأوروبيين الأحرار الأطهار!

أمريكا، ومن أمامهم أو خلفهم الصهاينة الأبرار، يريدون لإيران تحقيق ذاتها الغنيّة الرخيّة، واسترجاع الأمجاد الشاهنشاهية بكبريائها العظيمة. لا توجد هناك أطماعٌ استثماريّة، ولا رغباتٌ في عقد صفقات على الخطى الخليجيّة، ولا شفطٌ ونهبٌ لما فيها من ثرواتٍ وخيرات. لقد كان شاه إيران عظيمًا حقًّا، ولم تكن الثورة التي ثارت عليه إلّا نكرانًا للجميل، وضربًا من الخيال والجنون. على الشعب الإيراني أن يتوب ويستغفر، ويعود إلى رشده، ويسلّم قياده إلى هذه الأمّ الرؤوم ذات الحنان والكرم والسخاء؛ عندئذٍ يهنأ المواطن الإيراني برغد الحياة، ويتحرّر من شقاء الثورة وكبرياء الذات. ليس له إلّا أن يثق بأمريكا، التي تعرف كيف تُرسي قواعد الحرية والنهضة الاقتصاديّة.

أمريكا والصهاينة يريدون الخير كلّه لإيران والمنطقة بأسرها؛ الحلّ سهل وبسيط، وهو قلع الأضراس الموجعة، والتخلّي عن كلّ ما يستجلب الغضب الأمريكي: لا سلاح، ولا مقاومة، ولا صواريخ، ولا نووي، ولا ما يحزنون. وكذلك الثقافة التي ترفض المستعمر وتقاوم المحتلّ، لا داعي لها أبدًا؛ هناك ثقافة ناعمة وديعة مسالمة. ما عليكم إلّا كسب ثقة ترمب ونتنياهو، وكلّ أصحاب القلوب الطيّبة النقيّة السخيّة الكريمة.
أيّها العقلاء، أيّها الناس، أمريكا (وليس فقط ترمب) على مرّ تاريخها ترتكب المجازر، وتُفني الشعوب، وتفرض القهر، وتزرع الألم. وكانت غزّة الكاشفة الفاضحة، وهي آخر وليس أخيرة. *هناك من الناس أصحاب الذاكرة القصيرة ينسون، أو يتناسون، ما جرى في غزّة بالرعاية الأمريكية الكاملة*. كيف لنا أن نضع بيضاتنا في السلّة الأمريكية من جديد، على أمل أن نحصل بالرضوخ والخنوع ما لم نحصل عليه بالمقاومة والإباء، وقوّة الذات وسيادتها الكاملة؟

الحرية والسيادة والكرامة والأوطان ليست للبيع ولا للمساومة. ولا تُشترى بعروض أمريكية صهيونية مستهلكة.

ثقافة الشعب الإيراني ثقافة الدين والثورة ثقافة الحسين، ثقافة علي شريعتي ثقافة حرية وأنفة وكبرياء، ثقافة ترفص المذلّة والانصياع والركوع لغير الله مهما سالت الدماء وارتقت الأرواح واشتدّ الحصار وغلا الثمن.

المصدر / فلسطين أون لاين