قائمة الموقع

شتاء غزة القاسي… أب يحتمي بحضنه ليحمي بناته

2026-01-13T17:33:00+02:00
شتاء غزة القاسي… أب يحتمي بحضنه ليحمي بناته
فلسطين أون لاين

مع اقتراب منخفضٍ جوي جديد يضرب قطاع غزة، تتجدد المخاوف لدى آلاف العائلات النازحة التي تعيش داخل خيام مهترئة، لا توفر أدنى مقومات الحماية من البرد أو المطر.

وبين هذه العائلات، تتجسد واحدة من أقسى صور المعاناة في حكاية نادر أحمد، الأب لثلاث طفلات إحداهن تعاني الشلل الدماغي، في حين يطارده شبح الفقد بعد استشهاد ابنته الكبرى بثينة، في حربٍ لم تترك له سوى خيمةٍ باردة، وبردٍ قاسٍ، وخوفٍ دائم.

نادر أحمد، من سكان حي النصر بمدينة غزة، متزوج وأب لأربع بنات، كانت حياته قبل الحرب بسيطة لكنها مستقرة نسبيًا. غير أن الحرب قلبت كل شيء رأسًا على عقب؛ بدءًا من النزوح القسري، وفقدان مصدر رزقه، مرورًا باستشهاد ابنته بثينة، وصولًا إلى العيش في خيمة لا تقي من قسوة الشتاء.

أصبحت أيام نادر اليوم محكومة بصراعٍ يومي لحماية بناته من برد الشتاء القارس، داخل خيمة لا تصدّ الرياح ولا تمنع تسرب مياه الأمطار.

كانت بثينة، الابنة الكبرى، تبلغ من العمر 11 عامًا مع بداية حرب الإبادة، وتعاني من مشكلات صحية معقدة، تمثلت في الصرع وزيادة كهرباء الدماغ، ما أثر على أعصاب المخ وتسبب تدريجيًا بضعف السمع والبصر.

ومع تصاعد القصف وتكرار النزوح، وجد نادر نفسه أمام خيارٍ قاسٍ؛ إذ لم يكن قادرًا على حمل فتاتين من ذوات الإعاقة خلال رحلة النزوح الطويلة، فترك بثينة في كنيسة بمدينة غزة تحت رعاية الراهبات، على أمل أن تكون في مأمن، وأن الحرب لن تطول.

لكن الحرب لم ترحم أحدًا. ففي 16 مارس/آذار 2024، قصف الاحتلال الكنيسة، ما أدى إلى استشهاد بثينة وفتاة أخرى وراهبتين. ومنذ ذلك اليوم، يعيش نادر حزنًا ثقيلًا لا يفارقه؛ حزنًا يشتد مع اشتداد البرد، وكلما تذكر أنه ترك ابنته ظنًا أنه يحميها، لكنها رحلت في مكانٍ كان يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا.

أما نادين، الابنة الثانية، فقد عاشت الحرب بكل تفاصيلها القاسية. نادين، البالغة من العمر 13 عامًا، تعاني من الشلل الدماغي، وكانت قبل الحرب غير قادرة على المشي، إلا أنها ومع المتابعة الطبية وتلقي أدوية الأعصاب بدأت تتحسن تدريجيًا، وتمكنت من المشي، رغم استمرار معاناتها من انحناء في الظهر، وحاجتها الدائمة للعلاج الطبيعي والنفسي.

غير أن هذا التقدم توقف مع الحرب؛ فالنزوح المتكرر، والمجاعة، والخوف، وانعدام البيئة الآمنة، حرمت نادين من أبسط حقوقها الصحية. ومع حلول فصل الشتاء، بات البرد تهديدًا مباشرًا لحياتها، في ظل غياب أي وسيلة للتدفئة أو مكان مهيأ يتناسب مع وضعها الصحي.

وفي كل مرة، يفرض الشتاء نفسه عدوًا إضافيًا لا يقل خطرًا عن القصف. خيمة مهترئة، وأرض موحلة، ونقص في البطانيات، وانعدام الفرشات والمخدات، جعلت الليالي طويلة وقاسية، لا سيما على الأطفال.

يقول نادر إن البرد كان ولا يزال العدو الثاني بعد الحرب: “لا أملك وسيلة لتدفئة بناتي. عندما يشتد البرد، لا أجد إلا حضني لأدفئ نادين. الخيمة لا تقي من الرياح، والمطر يدخل من كل جانب. كل منخفض جوي يعني ليلة بلا نوم وخوفًا دائمًا”.

ومع اقتراب المنخفض الجوي الجديد، تتضاعف مخاوف نادر، ليس فقط على نادين، بل أيضًا على بناته الأخريات: آية (3 سنوات) ولينا (سنة وسبعة أشهر)، اللواتي يحتجن إلى بيئة دافئة وآمنة، وحفاضات، وملابس شتوية، وهي احتياجات يعجز الأب عن توفيرها بعد فقدانه عمله ومصدر دخله.

وبحكم وضعها الصحي، تحتاج نادين إلى بيئة مستقرة ودافئة، وأدوية خاصة بزيادة كهرباء الدماغ، وفيتامينات، ورعاية طبية مستمرة. لكن الواقع داخل الخيمة يحرمها من كل ذلك؛ فالأرض الباردة، والرطوبة، وانعدام الخصوصية، عوامل تفاقم معاناتها الجسدية والنفسية، وتضع الأب أمام عجزٍ يومي عن حمايتها.

يشير نادر إلى أن الخيمة لم تعد خيارًا قابلًا للاستمرار، خاصة مع تتابع المنخفضات الجوية، قائلًا: “الخيمة لا تصلح لوضع نادين أبدًا. أحتاج إلى كرفان، إلى فرشات وبطانيات، إلى مكان آمن. البرد لا يرحم، وذوو الإعاقة هم أول من يدفع الثمن”.

ولا يقتصر قلق نادر على الشتاء فحسب، بل يمتد إلى مستقبلٍ مجهول؛ فهو حتى اللحظة غير قادر على العودة إلى مدينة غزة، لعدم وجود مكان آمن أو مهيأ لذوي الإعاقة، في ظل الدمار الواسع وغياب الخدمات الأساسية ومراكز التأهيل.

قصة نادر أحمد ليست حالة فردية، بل نموذج لمعاناة مئات العائلات التي تضم أطفالًا من ذوي الإعاقة، والذين يجدون أنفسهم في مواجهة الشتاء دون حماية أو دعم، ودون أبسط مقومات الحياة الكريمة. ومع كل منخفضٍ جوي جديد، تتكشف هشاشة الواقع الإنساني الذي يعيشه هؤلاء، حيث يتحول البرد إلى خطرٍ يهدد الحياة، لا مجرد فصلٍ من فصول السنة.

بين فقدان بثينة، ومعاناة نادين، وقلق الأب على بناته الصغيرات، يعيش نادر شتاءً قاسيًا داخل خيمة لا تقي من البرد ولا تمنح الأمان، في انتظار أن تنتهي الحرب، أو أن يصل دفءٌ ما، قبل أن يسبق البرد الجميع.

اخبار ذات صلة