تتكرر في الخطاب الرسمي الأميركي والإسرائيلي عبارة "السلام بالقوة"، وكأنها حكمة سياسية أو قاعدة أخلاقية يمكن الارتكاز عليها في إدارة الصراعات. غير أن هذا المفهوم، عند إخضاعه لتحليل فلسفي وجيوسياسي جاد، لا يكشف إلا عن تناقض صارخ؛ إذ يجمع بين نقيضين لا يستقيمان: السلام بوصفه توافقاً وعدالة، والقوة بوصفها إكراهاً وإخضاعاً.
ومن هذا التناقض تنبع الحاجة إلى قراءة أعمق تفضح ما يحمله الشعار من زيف لغوي وتوظيف سياسي، لا لصناعة السلام، بل لإدامة الهيمنة وإعادة إنتاجها في قالب أخلاقي زائف.
في أصل الفلسفة السياسية، لا يُبنى السلام إلا على إرادة حرة، واتفاق متبادل، وحضور فعلي للعدالة. أما القوة، ففي جوهرها تقوم على فرض الإرادة على الآخرين بغير رضاهم. لذلك، فإن كل محاولة للجمع بينهما ليست سوى هندسة لغوية تهدف إلى شرعنة العنف عبر تغليفه بخطاب إنساني.
هذا ما فعله المحافظون الجدد في الولايات المتحدة حين صاغوا مبدأ "السلام من خلال الردع والقوة"، وهو ما تمارسه إسرائيل منذ عقود، باعتبارها دولة ترى في القهر العسكري الطريق الوحيد لخلق "سلام" يُسكت الخصوم من دون معالجة جذور النزاع.
في التجارب الأميركية، يتجلى هذا المفهوم بوضوح في غزو العراق وأفغانستان، ودعم الانقلابات في أميركا اللاتينية، وفرض الحصار على دول ترفض الخضوع لسياسات واشنطن. كل تدخل كان يُقدَّم بوصفه مسعى لحماية السلام العالمي أو ضمان الاستقرار الدولي، فيما كانت نتائجه دماراً وتمزقاً وتمديداً لصراعات لم تُحل. ويتكرر المشهد اليوم في التعامل مع إيران والصين وفنزويلا، وحتى في ملفات الشرق الأقصى، حيث تُستخدم القوة الاقتصادية والعسكرية لفرض "سلام" لا يعني في الواقع سوى إرغام الشعوب على قبول الهيمنة.
أما التطبيق الإسرائيلي، فهو النموذج الأوضح والأكثر مباشرة. فإسرائيل لا ترى السلام إلا بوصفه لحظة يتوقف فيها الخصم عن المقاومة، لا لحظة اعتراف متبادل بالحقوق. لذلك تمارس الاغتيالات، والقصف الممنهج لغزة، والاعتداءات المتكررة في سورية ولبنان وإيران، وتقدم كل ذلك في خطابها الرسمي على أنه خطوات "استباقية لصنع السلام".
إسرائيل لا ترى السلام إلا بوصفه لحظة يتوقف فيها الخصم عن المقاومة، لا لحظة اعتراف متبادل بالحقوق
هذا النوع من السلام لا يعترف بوجود الفلسطيني أو اللبناني إلا بوصفه كياناً يجب ردعه أو إخضاعه للرضوخ لشروط المنتصر. إنه سلام يقوم على كسر الإرادة لا على معالجة أسباب الصراع. ورغم التفوق العسكري الإسرائيلي الساحق لعقود، لم تنجح إسرائيل في تحقيق هذا السلام المزعوم، لأن القوة، مهما بلغ جبروتها، عاجزة عن إنتاج شرعية حقيقية أو استقرار دائم.
التحولات الجيوسياسية في العقدين الأخيرين كشفت هشاشة مقولة "السلام بالقوة". فالنظام الدولي يتجه نحو تعددية قطبية تقلّص قدرة واشنطن وتل أبيب على فرض رؤيتهما بالقوة وحدها. وصعود الصين وروسيا وإيران، إلى جانب بروز فواعل غير دولية في فلسطين ولبنان، أعاد تشكيل توازنات جديدة لم تعد تسمح للقوة الصلبة بأن تكون المرجع الوحيد لصناعة السلام.
هذه القوى، رغم محدودية إمكانياتها مقارنة بالجيوش التقليدية، استطاعت تعطيل مشاريع السلام المفروضة، وفرض معادلات ردع جديدة جعلت الاحتلال الإسرائيلي عاجزاً عن فرض رؤيته كما كان يفعل سابقاً.
إلى جانب ذلك، تآكلت السردية الأخلاقية الغربية التي استُخدمت لعقود لتبرير التدخلات العسكرية. فالحروب الأميركية في الشرق الأوسط، والجرائم الإسرائيلية المتكررة في غزة والضفة ولبنان، جعلت العالم أكثر وعياً بزيف خطاب "القوة من أجل السلام". ولم يعد ممكناً تسويق القصف على أنه "حماية للمدنيين"، أو تبرير الحصار بوصفه "إجراءً لتحقيق الاستقرار". لقد انكسر القناع الأخلاقي، وانكشف أن ما يسمى "سلاماً بالقوة" ليس سوى محاولة لإدامة اختلال ميزان القوى ومنع الشعوب من ممارسة حقوقها.
إن أخطر ما في هذا المفهوم ليس فقط إقصاء العدالة، بل تغييب السياسة نفسها. فحين تتحول القوة إلى اللغة الوحيدة، تصبح السياسة مجرد غطاء للآلة العسكرية، ويتحول السلام إلى لحظة صمت تُفرض بالقهر، لا إلى اتفاق يولد من معالجة أسباب الصراع.
في العالم العربي، يتجلى هذا المنطق بوضوح في التعامل مع القضية الفلسطينية. فالسلام الذي تطرحه واشنطن ليس سلاماً بين طرفين متكافئين، بل قبولاً فلسطينياً بنموذج "سلام بلا سيادة"، و"سلام بلا دولة"، و"سلام بلا حقوق"، أي سلام يُطلب فيه من الشعب أن يتنازل عن جوهر وجوده.
وفي لبنان، تحاول إسرائيل فرض معادلة مشابهة عبر التهديد بحرب شاملة لانتزاع قبول لبناني بترتيبات أمنية تخدم أمن الاحتلال. أما في سورية، فتتكرر الضربات العسكرية تحت شعار "منع تهديد الاستقرار"، ودعم قوى التفكيك والانفصال، وكأن الاستقرار الإقليمي يتحقق بالقصف لا بالتفاهمات السياسية.
هذا السلام لا يدوم، لأنه يبقى معلقاً على ميزان قوة قابل للتغير، ولأنه يترك جذور النزاعات من دون حل. وكل التجارب الاستعمارية في التاريخ أثبتت أن السلام الذي يُبنى فوق الأنقاض، أو على جثث الضحايا، لا يستمر، بل يخلّف مقاومة أشد صلابة.
وتؤكد دروس التاريخ، كما تجارب العقد الأخير، أن الشعوب قد تُهزم عسكرياً، لكن إرادتها لا تُهزم، وأن القوة قادرة على فرض هدنة مؤقتة، لكنها عاجزة عن صناعة سلام حقيقي. فالسلام الوحيد القابل للاستمرار هو ذاك القائم على العدالة والتوازن والاعتراف المتبادل، لا على فوهة البندقية.