نظّمت وحدة الحوار الاستراتيجي في معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية، أمس الاثنين، لقاءً حوارياً استراتيجياً مغلقاً عبر منصة زووم، بعنوان "المرحلة الثانية من المشروع الأميركي وموقع الفلسطينيين في معادلة الإقليم المتحوّلة"، بمشاركة نخبة من المفكرين والباحثين المتخصصين في الشأنين الفلسطيني والإقليمي.
وجاء اللقاء في سياق مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تشهد تصعيداً في النهج الأميركي القائم على فرض الهيمنة الصلبة، وإعادة إنتاج السياسات الاستعمارية بأدوات جديدة، متجاوزاً قواعد القانون الدولي، ومتعاطياً مع الإقليم بوصفه ساحة ضبط أمني لا فضاء توازنات سياسية.
الولايات المتحدة بين تراجع القوة واستدامة الهيمنة
أجمع المشاركون على أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تواجهان مؤشرات تراجع واضحة على المستويات السياسية والأخلاقية والاستراتيجية، إلا أن هذا التراجع لم ينعكس على طبيعة الدعم الأميركي للاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يزال دعماً مطلقاً وغير مشروط، باعتبار "إسرائيل" ركناً مركزياً في منظومة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.
وأشار المشاركون إلى أن واشنطن، في مواجهة تآكل صورتها الدولية، تميل إلى تعويض فقدان الشرعية بتوسيع استخدام أدوات الضغط والقوة، بدلاً من مراجعة سياساتها أو إعادة تقييم تحالفاتها.
مناورة إسرائيلية واختبار لصبر إدارة ترامب
وناقش اللقاء طبيعة العلاقة بين "إسرائيل" وإدارة ترامب، حيث خلص المشاركون إلى أن تل أبيب تنتهج سياسة المماطلة المحسوبة، عبر تقديم وعود سياسية غير مقرونة بالتزامات عملية، خصوصاً في ما يتعلق بقطاع غزة.
وتستند هذه السياسة إلى قراءة إسرائيلية لطبيعة العقلية الترامبية القائمة على الإنجاز السريع والنَفَس القصير، إضافة إلى استثمار حالة الاستقطاب الداخلي الأميركي، وصعود تيار ميغا كرافعة ضغط داخل منظومة القرار في واشنطن.
وفي المقابل، حذّر المتحدثون من أن استمرار التسويف الإسرائيلي قد يقود إلى توترات مكتومة مع الإدارة الأميركية، إذا ما فشلت إسرائيل في تقديم نتائج ملموسة تتوافق مع منطق إدارة ترامب.
فوضى استراتيجية وتحولات أمنية مقلقة
وأكد المشاركون غياب رؤية أميركية إسرائيلية متماسكة لإدارة الإقليم، مقابل اندفاع إسرائيلي نحو تعديل جوهري في عقيدتها الأمنية، يقوم على الانتقال من الردع القائم على التهديد إلى فرض الردع بالقوة المباشرة، وتوسيع دوائر الاشتباك السياسي والأمني.
وأشار النقاش إلى أن "إسرائيل" باتت تُنظر إليها إقليمياً بوصفها مصدراً لتهديد الاستقرار، غير أن هذه القناعة لم ترتقِ بعد إلى مستوى القطيعة الاستراتيجية، في ظل استمرار حسابات المصالح والضغوط الأميركية على دول المنطقة.
إعادة هندسة الإقليم وخنق الخيارات الفلسطينية
وخلص اللقاء إلى أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" تعملان بصورة ممنهجة على إعادة هندسة الإقليم، عبر فرض المعايير الأمنية الإسرائيلية كمرجعية عليا، ومحاولة تطويع دول المنطقة للقبول بها، ولو على حساب سيادتها واستقرارها الداخلي.
وحذّر المشاركون من أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً غير مسبوق في الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية على قوى المقاومة، وعلى الأطراف القريبة منها، بهدف إخضاعها ومنع تشكّل أي مسار إقليمي بديل خارج الفلك الأميركي.
الفلسطينيون أمام لحظة اختبار تاريخي
وأكد اللقاء أن الموقع الفلسطيني يقف اليوم أمام اختبار تاريخي، في ظل مشروع أميركي يسعى إلى تصفية القضايا الجوهرية عبر أدوات الضغط والإكراه، وأن غياب رؤية فلسطينية موحّدة واستراتيجية فاعلة سيجعل الفلسطينيين الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية يعاد تشكيلها بالقوة.
وفي ختام اللقاء، شدّد معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية على ضرورة إعادة بناء المقاربة الفلسطينية على أساس قراءة واقعية وجريئة للتحولات الجارية، وتجاوز منطق إدارة الأزمة إلى بناء مشروع وطني شامل، قادر على الاشتباك السياسي مع المرحلة، وحماية المصالح الفلسطينية، ورفض الارتهان لمعادلات تُفرض من الخارج.