فلسطين أون لاين

المنخفضات الجوية تكشف عمق الأزمة البيئية في قطاع غزة

...
غرق خيام النازحين في غزة جراء المنخفضات الجوية وسط ظروف إنسانية صعبة (أرشيفية)
غزة/ هدى الدلو

مع كل منخفض جوي، تتجدد معاناة سكان قطاع غزة، إذ تتحول الأمطار الغزيرة من نعمة منتظرة إلى نقمة تثقل كاهل آلاف المواطنين، ولا سيما في المناطق المكتظة والمحرومة من بنية تحتية سليمة.

في كثير من الأحياء، وخاصة العشوائية منها، تختلط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي نتيجة انسداد شبكات التصريف، ما يشكّل كارثة بيئية وصحية تهدد حياة السكان، خصوصًا الأطفال وكبار السن. وتنتشر الروائح الكريهة، في حين تتحول البيئة المحيطة إلى حاضنة للأوبئة والأمراض الجلدية والتنفسية.

المواطنة أنهار أبو حطب تعيش ظروفًا قاسية مع كل منخفض جوي، إذ تتحول حياتها إلى صراع يومي مع البرد القارس، وتسرب المياه من سقف منزلها، وخطر مياه الصرف الصحي التي تغمر البيت وتضاعف معاناة طفلتها المصابة بحروق خطيرة في مختلف أنحاء جسدها جراء إصابة حرب.

وتقول أبو حطب، التي تقطن في منزلها بحي تل الهوى، لـ "فلسطين أون لاين": "مع كل مطر تتسرب المياه من السقف لأن ألواح الزينكو مثقوبة بفعل القصف. وضعنا فوقها شوادر قديمة، لكنها بحالة سيئة جدًا، وكل مرة نغرق بالمياه".

وتشير إلى أن المنزل بات مكشوفًا من عدة جهات بعد التصعيد، مضيفة: "الهواء والبرد يدخلان علينا، ولا يوجد فرش أو أي وسائل حماية، والوضع صعب للغاية".

وتضيف بألم: "البرد يؤثر كثيرًا على ابنتي ماسة، فجسمها مليء بالحروق نتيجة إصابتها في الحرب. في الصيف تُسبب لها الحروق حكة شديدة، لكن في الشتاء تصبح المعاناة أقسى، إذ يجف الجلد ولا تتوقف الحكة".

غير أن المشكلة الأخطر، بحسب حديثها، تكمن في تسرب مياه الصرف الصحي إلى داخل المنزل، قائلة: "المكان يتلوث بالكامل، وأخشى أن تُصاب ابنتي بتسمم بكتيري، فجسدها خضع لعمليات ترقيع جلد متعددة، ومناعتها ضعيفة".

وعن كيفية تعامل الأسرة مع المنخفضات الجوية، توضح أبو حطب أن زوجها يضطر للنزول إلى الشارع تحت المطر لمحاولة تصريف المياه يدويًا، قائلة: "زوجي يبقى في الشارع أثناء المطر، يحاول إخراج المياه التي تدخل البيت لتخفيف منسوبها، وأنا في الداخل أُفرغ المياه باستخدام السطول، لكن للأسف تكون المياه قد لوثت كل شيء".

وفي كثير من الأحيان، تضطر لإخراج أبنائها في منتصف الليل إلى منزل أقاربهم المجاور، خوفًا من تعرضهم للتلوث أو الميكروبات.

ولا يختلف الحال كثيرًا لدى المواطنة أم أمجد سلطان، وهي أم لخمسة أطفال تقطن في منطقة منخفضة بمدينة غزة، وتحديدًا في شارع النفق، حيث تقول: "نعيش حالة رعب مع كل موجة أمطار؛ فالمياه تدخل منازلنا وتغمر فراشنا، وأطفالي لا يستطيعون النوم من شدة البرد والرطوبة، والأسوأ أن مياه الصرف الصحي تفيض وتدخل البيوت، ولا أحد يسأل عنا".

وتوضح أن غياب شبكات الصرف الصحي السليمة يحوّل الأرض الموحلة إلى بؤرة للأمراض والأوبئة.

كما تعاني المواطنة إسراء مشتهى، وهي أم لستة أطفال نزحت من حي الشجاعية بعد قصف منزلها، وتعيش حاليًا في منزل أحد أقاربها قرب منطقة الجامعات، من الظروف ذاتها.

وتقول: "في كل منخفض جوي تختلط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي بسبب انسداد المصافي في الشارع، فتدخل إلى المنزل وتغمره بالكامل، إضافة إلى تشققات في السقف".

وتزداد معاناتها لوجود طفلين يعانيان أمراضًا مزمنة ويحتاجان إلى بيئة صحية ودافئة؛ إذ يعاني طفلها الأصغر، الذي وُلد خلال الحرب، من ثقبين في القلب، وتعرض لإصابة بالحمى الشوكية أدت إلى تشنجات، فيما اكتشف الأطباء لدى طفلها الأكبر (6 أعوام) وجود مياه على الرئة امتدت إلى القلب، ما استدعى إجراء عمليات جراحية لسحبها.

وتتساءل إسراء بحرقة عن كيفية عيش أطفالها في مثل هذه البيئة القاسية، وفي ظل البرد الشديد وانعدام مقومات الحياة الصحية.

من جهتها، أكدت بلدية غزة في بيان سابق أن طواقمها تواصل العمل على تصريف مياه الأمطار في مناطق متفرقة من المدينة، والحد من آثارها السلبية، لا سيما في المناطق المنخفضة والمتضررة ومحيط مراكز النزوح.

وأشارت البلدية إلى أنها تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، نتيجة ضعف الإمكانيات واستمرار الحصار، الذي يعيق أعمال الصيانة والتوسعة لشبكات الصرف الصحي، فضلًا عن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية جراء الحرب الإسرائيلية الأخيرة.

وطالبت جهات إنسانية المجتمع الدولي بضرورة التدخل العاجل لتوفير الدعم الفني والمادي للبلديات، وتحسين شبكات الصرف والتصريف، وتقديم مساعدات فورية للأسر المتضررة، في ظل ازدياد حدة المنخفضات الجوية.

المصدر / فلسطين أون لاين