يبرز اغتيال مدير مباحث شرطة خان يونس جنوب قطاع غزة بوصفه حلقة خطيرة في مسار أوسع يتجاوز كونه جريمة فردية، ويعكس سعي الاحتلال إلى هندسة واقع داخلي مضطرب عبر دعم مجموعات مسلحة محلية تعمل خارج الأطر الشرعية، تتولى تنفيذ عمليات اغتيال وترويع، وتضرب السلم الأهلي من الداخل.
ويتفق خبيران على أن هذه المليشيات ليست مجرد ظاهرة جنائية، بل أداة وظيفية تخدم أهداف الاحتلال الأمنية، من خلال تفكيك المجتمع، وزرع الشك بين المواطنين، وإظهار القطاع كأنه يواجه ذاته لا عدوانا خارجيا. ورغم خطورة الظاهرة وتداعياتها السياسية والأمنية، تبقى هذه المليشيات مؤقتة وغير قابلة للحياة اجتماعيا أو سياسيا، مع التأكيد على أن المجتمع الفلسطيني قادر على لفظها وإفشال رهانات الاحتلال على تحويلها إلى واقع دائم.
وأعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة أمس، اغتيال مدير مباحث شرطة خان يونس، المقدم محمود أحمد الأسطل (40 عاما)، من جراء تعرضه لإطلاق نار في منطقة المواصي جنوب القطاع.
دعم مسار الفوضى
وقال الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل لـ "فلسطين أون لاين": إن حادثة اغتيال مدير مباحث شرطة خانيونس المقدم محمود الأسطل تمثّل "تطورا خطيرا للغاية في مسار الفوضى المنظمة التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي تكريسها داخل قطاع غزة"، معتبرا أن هذه الجريمة "لا يمكن فصلها عن محاولات الاحتلال خلق ميليشيات محلية مرتبطة به، تعمل خارج كل الشرعيات الوطنية، وتنفذ أجندته الأمنية".
وأضاف عوكل: "نحن أمام محاولة واضحة لتأسيس بيئة فوضى وسلاح منفلت، تقوم فيها مجموعات صغيرة ووظيفية بدور الوكيل الأمني للاحتلال، تنفذ عمليات اغتيال وترويع داخلي، وتشوه صورة المجتمع المقاوم، وتضرب السلم الأهلي من الداخل. اغتيال ضابط بهذا المستوى وفي هذا التوقيت رسالة واضحة تهدف إلى خلق حالة رعب وفقدان ثقة بين المواطنين والأجهزة الأمنية".
وأشار إلى أن الاحتلال "استثمر ظروف الحرب والتدمير والنزوح، وحدوث فراغات أمنية في بعض المناطق، ليوسّع من نشاط شبكات العملاء، ويدفع نحو تشكيل جماعات مسلحة صغيرة تعمل بأسلوب الميليشيات"، لكنه شدد على أن هذه الظاهرة "مؤقتة وغير قابلة للحياة سياسيًا أو اجتماعيًا".
وقال عوكل بلهجة حاسمة: "هذه الجماعات لا مستقبل لها. كل تشكيل مسلح مرتبط بالمحتل محكوم عليه بالفشل والانهيار الأخلاقي والسياسي. التجارب في تاريخ الشعوب تؤكد أن من يضع نفسه في خدمة المحتل ضد أبناء وطنه ينتهي سريعا، ويُلفظه المجتمع باعتباره وصمة عار، مهما حاول أن يقدّم نفسه بأسماء أو شعارات. ما يسمى بجماعة ياسر أبو شباب نموذج واضح: ظاهرة مؤقتة، مرتبطة بتكليف إسرائيلي مباشر، تعمل على تصفية حسابات داخلية وتنفيذ عمليات اغتيال وإثارة الفوضى، لكنها بلا قاعدة اجتماعية وبلا شرعية وطنية".
وأكد أن أخطر تداعيات هذه الظاهرة تتمثل في تهديد السلم الأهلي ووحدة المجتمع، موضحا "أي نشاط ميليشيوي مدعوم من الاحتلال يضرب النسيج الاجتماعي ويزرع الشك بين الناس، ويخلق مناخًا من الخوف والاتهامات المتبادلة. هذا ما يريده الاحتلال بالضبط: تحويل المجتمع إلى ساحات صراع داخلي بدل توحيد البوصلة نحو مقاومة العدوان".
وأضاف عوكل أن محاولة الاحتلال إعادة إنتاج "جيش من العملاء والمجموعات المسلحة المحلية" ليست جديدة، لكنها تتجدد في لحظات الضعف الإنساني والمعيشي، قائلا: "الاحتلال يراهن على الحاجة والفقر والانقسام والدمار لتجنيد بعض الأفراد، لكنه يخطئ في قراءة الوعي الجمعي للفلسطينيين. المجتمع الفلسطيني جرّب الاحتلال طيلة عقود، وهو يعرف جيدا أن من يحمل السلاح في وجه أبناء شعبه، تنفيذا لأوامر المحتل، لا يمكن أن يتحول إلى قوة سياسية أو أمنية دائمة".
وختم عوكل تصريحه بالتشديد على ضرورة التحرك لمواجهة هذه الظاهرة "من واجب القوى الوطنية والأجهزة الأمنية وكل مكونات المجتمع الفلسطيني أن تواجه بحزم السلاح المنفلت والميليشيات المرتبطة بالمحتل. هذا ليس خلافا داخليا عابرا، بل معركة لحماية السلم الأهلي وحماية ما تبقى من تماسك المجتمع. الاحتلال يريد لنا التفكك، وهؤلاء المأجورون هم أدواته المؤقتة، وستنتهي أدوارهم سريعًا كما انتهت كل الأدوات التي سبقتهم عبر التاريخ".
أداة أمنية خطيرة
من جهته، قال الخبير الأمني والعسكري يوسف الشرقاوي: إن المجموعات المسلحة المحلية التي يجري الحديث عنها في قطاع غزة، والتي يُشتبه بتلقيها دعما مباشرا أو غير مباشر من الاحتلال الإسرائيلي، تمثل "أداة أمنية خطيرة بيد جيش الاحتلال في إدارة الصراع من الداخل، مشيرا إلى أن دورها لا يقتصر على تنفيذ عمليات اغتيال، بل يمتد إلى "تفكيك المجتمع وضرب الثقة بين المواطنين".
وأوضح الشرقاوي لـ "فلسطين أون لاين" أن الاحتلال عندما يدعم ميليشيات محلية "لا يبحث عن إنشاء قوة كبيرة، بل عن مجموعات صغيرة، متخفية، ذات وظيفة محددة. المطلوب منها تنفيذ عمليات اغتيال نوعية، وجمع معلومات، ونشر الفوضى الأمنية، وإرباك الأجهزة الشرطية، وإشغال الناس بصراعات داخلية بدل توجيه الأنظار نحو الاحتلال. هذه المجموعات هي امتداد لعمل شبكات العملاء، لكنها تتحرك بصورة مسلحة ومنظمة".
وبيّن أن الفائدة الأمنية المباشرة التي يجنيها جيش الاحتلال من هذه الميليشيات تتمثل في ثلاثة محاور رئيسية، وهي تنفيذ الاغتيال عن بعد دون الدخول البرّي أو تحمل الكلفة السياسية، زرع الفتنة الداخلية وإظهار المجتمع كأنه يفكك نفسه بنفسه، واختراق البيئة الأمنية المحلية والحصول على معلومات دقيقة حول التحركات والمواقع والشخصيات.
وأضاف الشرقاوي: "الاحتلال يعتمد على هذه الجماعات كذراع سوداء. فبدل أن يُتهم مباشرة بعمليات الاغتيال الداخلية، يترك أدواته تنفذها. هو بذلك يحقق هدفين: تصفية من يراهم خصوما له، وتفجير السلم الأهلي من الداخل. لذلك نقول إن هذه الميليشيات ليست مجرد ظاهرة جنائية، بل ظاهرة أمنية مرتبطة بالمحتل مباشرة".
وحذر الخبير الأمني والعسكري من التأثير العميق لهذه الظاهرة على المجتمع "وجود ميليشيات مرتبطة بالاحتلال يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعي. فهو يزرع الشك بين الناس، ويدفع إلى انتشار الإشاعات والتخوين، ويخلق بيئة خوف عامة. عندما يشعر المواطن أن الرصاص يمكن أن يأتيه من جار أو من سيارة مجهولة، فإن ذلك يدمر الإحساس بالأمان، ويضرب السلم الأهلي في جوهره".
وتابع: "هذه الظواهر لا تعيش طويلا. تاريخ الصراعات يثبت ذلك. في جنوب لبنان خلال الاحتلال الإسرائيلي ظهرت ميليشيا جيش لحد، وفي العراق ظهرت جماعات مسلحة مرتبطة بقوى أجنبية، وفي الجزائر ظهرت ميليشيات وظيفية خلال التسعينيات. كل هذه التشكيلات انتهت وانكسرت لأنها كانت تصطدم بالمجتمع وتفقد أي شرعية أخلاقية ووطنية. أدوات الاحتلال دائمًا تُستهلك ثم تُرمى".
وشدد على أن مصير هذه الميليشيات في غزة سيكون مشابها "هذه الجماعات مؤقتة، عمرها من عمر المهمة التي كلفها بها الاحتلال. لا قاعدة شعبية لها، ولا عمقا اجتماعيا، ولا مشروعا وطنيا. هي مجموعات تعمل بالوكالة مقابل المال والحماية المؤقتة. وبمجرد تغير الظروف أو انكشاف أدوارها، ستتفكك، وسيتم ملاحقتها اجتماعيا وأمنيا، كما حدث مع كل الميليشيات المرتبطة بالمحتل في تجارب الشعوب الأخرى".
وختم الشرقاوي بالقول: "المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع الاحتلال، بل مع أدواته الداخلية. حماية السلم الأهلي وضبط السلاح المنفلت وتعرية هذه الميليشيات أمام المجتمع هو واجب وطني وأخلاقي. الاحتلال يريد مجتمعا مفككا متخاصما، وهذه الجماعات هي أداته لتحقيق ذلك، لكنها ستبقى مؤقتة وعابرة، بينما يبقى المجتمع هو الأقوى والأبقى".