فلسطين أون لاين

رحل قبل اللقاء المنتظر بعائلته ...

تقرير نبيل قنيطة... رجل "العطاء الصَّامت" في زمن الإبادة

...
نبيل قنيطة... رجل "العطاء الصَّامت" في زمن الإبادة
غزة/ يحيى اليعقوبي:

وُصف نبيل قنيطة بـ«رجل العطاء والعمل الصامت». في محيط سكنه غرب مدينة غزة، لا تزال سيرته حاضرة، كما لا تزال دموع كثيرين تستحضر رحيله. عرفه الفقراء والمحتاجون، وكل من تعامل معه، رجلًا لم يتأخر يومًا عن مدّ يد العون، في وقتٍ كانت الإبادة تستهدف كل من يدخل ميدان العمل الإنساني.

أمضى قنيطة جلّ وقته واقفًا عند حاجات الناس والنازحين، غير آبهٍ بالمخاطر، حتى بات هدفًا للاحتلال، في زمنٍ تحوّل «العمل الإنساني» إلى ذريعة للقصف والاستهداف، في محاولة لترك المجاعة تنهش أهالي مدينة غزة وشمال القطاع.

لم يستسلم نبيل قنيطة، المكنّى بـ«أبو حمزة»، للتهديدات، بل واصل تلبية حاجات الناس ومتطلبات الإيواء والإغاثة، إلى أن استُهدف، لتكون دماؤه شاهدًا على تضحيةٍ كُتبت بالدم، وخدمةٍ خلدت سيرته في ذكراه الأولى، كأحد رجالات العمل الإنساني والحكومي في غزة.

بابتسامةٍ كانت لا تفارق ملامحه عند لقائه الآخرين، وبمواقف شجاعة لا يتراجع فيها عن قول الحق والدفاع عنه، عاش قنيطة مديرًا عامًا في وزارة الداخلية بقطاع غزة. تقول زوجته ريم قنيطة (43 عامًا) لصحيفة «فلسطين»:

«لم توقفه المخاطر ولا الخوف، ولم يبحث عن اسم أو صورة، لأن إنقاذ الأرواح كان عنده أقدس من النجاة بنفسه، ولأن خدمة الناس كانت طريقه الأقرب إلى الله».

في يومٍ ثقيل على قلوب عائلته، الاثنين 13 يناير/كانون الثاني 2025، عند الساعة 10:40 صباحًا، اغتال الاحتلال قنيطة بصاروخ أطلقته طائرة مُسيّرة، أثناء متابعته عمل لجان الطوارئ، لترتقي روحه إلى العلياء. لم يكن الخبر عاديًا على زوجته وأبنائه، بل صاعقًا، جاء كوجعٍ مباغت جمّد اللحظة، وترك القلوب معلّقة بين التصديق والإنكار.

كانت العائلة قد نزحت إلى جنوب القطاع، تعدّ الأيام للعودة إلى مدينة غزة، حيث بقي والدهم وحيدًا، يخدم السكان والمحتاجين ويتابع مسؤولياته في وزارة الداخلية. وكان هو الآخر ينتظر اللقاء المرتقب، مع اقتراب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، ليرحل مع شهداء اللحظات الأخيرة، ما زاد من قسوة الخبر على قلوب عائلته التي لم تتهيأ لسماعه، بعد فراق دام خمسة عشر شهرًا.

رحل قنيطة دون أن يضم أبناءه ويروي شوق قلبه. اكتفوا بنظرة وداع بعيدة إلى صورة وصلتهم من أحد الأقارب، فيما بقيت الحسرة قاسية لحرمانهم من لحظة الوداع ومواراته الثرى.

تستحضر زوجته آخر لحظات زوجها الشهيد بقلبٍ مثقل: «كان سعيدًا على غير عادته، يترقّب عودة عائلته من الجنوب بعد غياب عامٍ كامل، ويعدّ الأيام انتظارًا للّقاء. كان يجهّز لهم كل ما يحبّونه، بتفاصيل صغيرة لا يفعلها إلا من يحب بصدق. هدنة كانت قريبة، وقلبه صدّق أن الفرح سيكتمل، لكن الاحتلال لم يسمح لذلك. استُشهد أبو حمزة قبل أن تقع عيناه على عائلته، ورحل وهو يحمل شوق اللقاء في قلبه».

خلال خمسة عشر شهرًا من الحرب، وبحكم عمله، كان التواصل مع عائلته قليلًا؛ رسائل متقطعة وكلمات سريعة لا تكفي لشرح الشوق ولا لتخفيف الوجع. كانت أمنيته الوحيدة أن يكونوا بخير، رغم القلق الذي كان يسكن صمته، وخوفه عليهم من الجوع والتشرّد.

كان لديه ابنتان وأربعة أبناء، وكان الابن البكر حمزة الأقرب إلى قلبه، يرى في والده القدوة والصديق والأمان. ترك غيابه فراغًا عميقًا في قلبه.

لم يكن دخول البيت سهلًا على العائلة. تقول زوجته: «الدخول أصعب مما تخيلنا؛ الأبواب ثقيلة، والجدران مليئة بالذكريات، وكل زاوية تشهد على غيابٍ طويل. المكان موجود، لكن الطمأنينة لم تعد كما كانت».

فقدٌ جديد

بعد أربعة أشهر فقط من استشهاد «أبو حمزة»، عاشت العائلة فاجعة جديدة باستشهاد الابن البكر حمزة، أثناء وقوفه في بيت عزاء عمه، ليفتح الاحتلال بذلك عزاءً جديدًا للعائلة. رحل حمزة، الذي كان السند بعد والده لشقيقاته وعائلته، لتتلقى الأم طعنة جديدة قبل أن تلتئم جراح الفقد الأول، وقد سبق ذلك قصف المنزل، لتتضاعف مأساة الفقد والتشرّد.

ورغم مرور عام على رحيل الشهيد قنيطة، لا يزال كل من عرفه يستحضر مواقفه ومناقبه. تعدّد زوجته بعضًا منها: «كان يساعد جاره في أصعب الظروف دون انتظار مقابل، ويقف إلى جانب كل محتاج. مرة جاءه موظف يطلب مساعدة عاجلة لإنهاء معاملة، فوقف معه لساعات حتى حُلّت مشكلته، دون أن يشعر أحد أنه بذل جهدًا استثنائيًا، لأنه كان يفعل الخير ببساطة وعفوية».

تكرر هذا المشهد كثيرًا في حياة قنيطة، ولم يتوانَ يومًا عن خدمة من يطرق بابه، حتى في ساعات متأخرة من الليل. وفي عمله، كان صادقًا وعادلًا، لا يظلم أحدًا ولا يفضّل شخصًا على آخر، يعلّم بالقدوة قبل الكلام، ويؤمن أن الخدمة الصادقة أقرب الطرق إلى الله.

تقلّد الشهيد قنيطة مناصب عدة في وزارة الداخلية بغزة. تقول زوجته: «عرفه الجميع بالاحترام والمحبة. لم يكن مديرًا فقط، بل أخًا وصديقًا للجميع. منصبه لم يكن سببًا للتكبر، بل وسيلة ليخدم الناس ويؤثر فيهم إيجابًا».

رجل العطاء

خلال الحرب، لم يقف قنيطة مكتوف اليدين أمام آلام الناس. تقول زوجته، وقد اختلط الحزن بالفخر في كلماتها: «كرّس أبو حمزة حياته لإغاثة الناس عبر لجان الطوارئ، حمل همّهم كأنه همّه الشخصي، وتنقّل بين البيوت، يجبر الخواطر قبل أن يقدّم الطعام».

واصل الليل بالنهار، وقدّم غيره على نفسه، ولم يعد إلى منزله إلا بعد أن يطمئن أن كل محتاج وجد من يسنده. تضيف بفخر: «رغم الخطر، لم يتردد في أداء واجبه، لأن قلبه كان مطمئنًا إلى الله، ويؤمن أن إنقاذ الأرواح وحماية الناس طريقٌ للتقرب إليه».

داخل بيته، كان برّه بوالديه عنوانًا لحياته، وأبًا حنونًا يرى في أبنائه روحه وامتداد عمره، يربّيهم بالقدوة، ويزرع في قلوبهم القيم والكرامة وحب الخير، تاركًا لهم إرثًا من السيرة الطيبة لا يُقاس بالمال.

وترثيه زوجته قائلة: «رحل جسده، لكن روحه بقيت حيّة في كل دعاء وذكرى وأثر طيب. استُشهد أبو حمزة، وبقي اسمه شاهدًا على أن بعض الناس خُلقوا ليكونوا نورًا، ويمضوا إلى الله وهم في أعلى المقامات».

كزوج، كان مثالًا للحب والوفاء والاحترام، شريكًا متفانيًا، يحتوي زوجته بحنانه وصدقه، ويؤمن أن الزواج عهد ومسؤولية قبل أن يكون علاقة.

رحل نبيل قنيطة قبل اللقاء المنتظر، لكن أثره بقي حيًّا، شاهدًا على رجلٍ اختار أن يعيش للناس، وارتقى شهيدًا وهو يؤدي رسالته حتى آخر لحظة.

المصدر / فلسطين أون لاين