مع كل منخفض جوي يضرب قطاع غزة، تتكشف هشاشة واقع الإيواء المؤقت الذي فُرض على آلاف العائلات النازحة، وتتحول الخيام إلى مصائد للمطر والبرد، بدلًا من أن تكون مأوى يحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
فالأمطار الغزيرة والرياح العاتية لا تزيد فقط من قسوة الشتاء، بل تفاقم أزمات الغزيين الذين أنهكتهم الحرب، مع غياب حلول حقيقية للإيواء الآمن، وتعمد الاحتلال عرقلة إدخال المساعدات الإنسانية، وعلى رأسها البيوت المتنقلة "الكرفانات".
ويقف الخمسيني نضال بردع، مع أفراد عائلته، تحت شمس شاحبة، محاولين نشر ما تبقى من ملابسهم المبللة، بعد ليلة قاسية غمرت فيها مياه الأمطار خيامهم المتواضعة في ساحة الجندي المجهول وسط مدينة غزة.
ويقول بردع لصحيفة "فلسطين"، بصوت يختلط فيه الغضب بالعجز: "استعددنا للمنخفض بما توافر لدينا من إمكانيات بسيطة؛ شددنا الخيام وربطناها بالحبال، ووضعنا قطع النايلون فوقها، لكن كل ذلك لم يصمد أمام الرياح. اقتُلعت الخيمة، وتسربت المياه إلى الداخل، وغرقت الملابس والفرشات".
ويضيف أن أربع خيام مهترئة تؤوي عشرين فردًا من عائلته لم تصمد أمام المنخفض، فتطاير بعضها، وانسابت المياه إلى داخلها، ليقضي أفراد الأسرة ليلة كاملة في مواجهة البرد والمطر دون أي حماية.
ويمضي بردع بالقول: "نكرر المحاولة مع كل منخفض جوي، لكن الخيام لا تحمي أحدًا، ولم تُصمم للعيش الآدمي، ولا تتحمل هذه الظروف القاسية".
ونزحت عائلة بردع من منزلها شرقي حي الشجاعية منذ بداية الحرب إلى جنوب القطاع، قبل أن تعود في أكتوبر/تشرين الأول 2025، لتنصب خيامها في ساحة الجندي المجهول، بعدما دمر جيش الاحتلال منزلها ومنعها من العودة إليه.
ومع تقادم الخيام وتآكلها، باتت عاجزة عن توفير أي حماية من البرد أو المطر، ما دفع بردع إلى توجيه نداء واضح للوسطاء ورعاة اتفاق وقف إطلاق النار، قائلًا: "نحتاج بشكل عاجل إلى إدخال البيوت المتنقلة كحل مؤقت يحفظ كرامتنا إلى حين إعادة إعمار منازلنا".
حلول إسعافية
على مقربة منه، يقف نجله محمود، مشيرًا إلى خيمته التي لم تصمد أمام العاصفة، ويقول: "شددنا الحبال وثبتنا الشوادر، لكن مع اشتداد الرياح مساء أول من أمس، اقتُلعت الخيمة بالكامل، وغمرت المياه كل شيء".
ويضيف: "أدركنا مجددًا أن الخيام فشلت ولا يمكن الاعتماد عليها"، مؤكدًا أن إدخال الكرفانات بات ضرورة لا تحتمل التأجيل، في ظل استمرار الاحتلال بمنع إدخالها، ما يضاعف معاناة العائلات التي فقدت منازلها.
وتتكرر حالة الطوارئ هذه مع كل منخفض جوي، كما يصفها أيمن ريحان، أحد النازحين في المكان ذاته.
ويقول ريحان لـ"فلسطين": "نحن نعيش في طوارئ دائمة، تتصاعد مع كل تحذير من منخفض قادم. الليلة قبل الماضية كانت مرعبة؛ الرياح كادت تقتلع الخيمة من جذورها، فاضطررنا أنا وعائلتي إلى توزيع أنفسنا على جوانبها والإمساك بها لساعات، خشية أن نُترك في العراء".
ويضيف أن المياه تسربت إلى الخيام المجاورة وأغرقت الفرشات والأغطية، في مشهد يتكرر كل شتاء.
ونزح ريحان مرات عديدة خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، قبل أن يستقر في خيمته الحالية. ويبين أن جيش الاحتلال دمر منزله كليًا شرقي مخيم جباليا، ومنع عائلته من الوصول إليه بذريعة "المنطقة الخطرة".
وبين تنقل ونزوح، فقد ريحان عددًا من أفراد عائلته، وتعرضت إحدى بناته للإصابة، فيما استشهدت ابنته آمنة برفقة طفلها عبد الله (6 أعوام) خلال محاولتهما العودة إلى المنزل. ورغم ذلك، لا يملك ريحان اليوم سوى خيمة مهددة بالاقتلاع مع أول عاصفة.
وسط هذا الواقع القاتم، يعتمد النازحون على تكافلهم الذاتي؛ إذ يهب الرجال مع كل منخفض جوي لمحاولة تقليل الخسائر، عبر إقامة سواتر رملية لمنع تسرب المياه، أو تشديد الخيام بما توفر من حبال وأسلاك، لكنها حلول إسعافية لا تصمد أمام عواصف متكررة.
عرقلة المساعدات
في السياق ذاته، حذرت المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في فلسطين، فرانشيسكا ألبانيز، من أن الوضع الإنساني في قطاع غزة "مروّع للغاية"، لا سيما في ظل المنخفضات الجوية التي تزيد من معاناة السكان.
وأكدت ألبانيز، في تصريحات صحفية، أن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد عرقلة دخول المساعدات الإنسانية، مشددة على أنه، بصفته قوة احتلال غير قانونية، لا يملك حق التحكم في إدخال المستلزمات الإنسانية، وأن هذا السلوك يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
واعتبرت أن منع المساعدات، بما في ذلك وسائل الإيواء الملائمة، يشكل امتدادًا لسياسة العقاب الجماعي والإبادة بحق الفلسطينيين، في وقت يعيش فيه المدنيون، ولا سيما الأطفال والنساء، ظروفًا إنسانية كارثية. كما حذرت من استمرار سياسات التطهير العرقي في غزة والضفة الغربية، وانعكاساتها الخطيرة على حياة المدنيين ومنظومة القانون الدولي.
وأمام هذا المشهد، تتعالى الأصوات المطالِبة بإدخال الكرفانات فورًا، باعتبارها حلًا إنسانيًا عاجلًا يقي العائلات ويلات الشتاء، ويضع حدًا لفشل الخيام.
فمع كل منخفض جوي جديد، تتجدد المأساة، ويتأكد أن الإيواء الآمن لم يعد مطلبًا إنسانيًا فحسب، بل ضرورة ملحّة لإنقاذ ما تبقى من حياة وكرامة في قطاع غزة.