فلسطين أون لاين

هل خرجت أمريكا من ثوبها فيما فعلت في فنزويلا؟!

ببساطة ووضوح، تقود الولايات المتحدة الأمريكية العالم بمفهوم الحداثة وما بعد الحداثة؛ فالحداثة سلطة العقل والمعرفة، ثمّ ما لبثت أن أفرزت القوّة، فآلت إليها، وأصبحت القدرات العلمية الهائلة التي وصل إليها الغرب وسيلةً لبسط الهيمنة والنفوذ. عندها غاب العقل والمنطق، واستُبدلا بالقوّة، حتى وصلت هذه المنظومة إلى الغطرسة بأقصى صورها، بكلّ سفور وبلطجة.

يقول ميشيل فوكو إنّ الحداثة نظامُ سيطرةٍ يعتمد على تقنيات «الانضباط» و«المراقبة»، بدل أن تكون عصرَ تحرّرٍ وعقل، ويرى أنّها ليست سوى استبدالٍ لأشكالٍ قديمة من السيطرة بأشكالٍ أكثر دقّة وتعقيدًا.

وهذا يلتقي مع المفهوم القرآني: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.

فدعوةُ جميع الأنبياء والمرسلين ترتكز على إقامة عبادة الله في الأرض، تلك العبادة التي تقود الإنسان إلى صلاح الحياة وسعادتها؛ لأنّ الإنسان بالعبادة لا يطغى، ولا يستكبر، ولا يظلم الآخرين. أمّا الحياة الغربية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فلم تُقِم حياة الإنسان على عبادة الله، بل استبدلتها بما يسمى الحداثة والتي تقوم على عبادة العقل والمعرفة، ثمّ سخّرت هذه المعرفة للقوّة والسيطرة والطغيان. وبلغ الأمر ذروته مع الذكاء الاصطناعي وأحدث تقنيات العقل، التي صُبّت في خدمة الاستكبار وممارسة العربدة بأشكالها كافة.

من هذا المنطلق الفكري الذي تقوم عليه هذه الحضارة المشوّهة، ندرك أنّ ما مارسته أمريكا في فنزويلا لم يكن بدعًا من الأمر، بل هو سياقٌ طبيعي لا يخرج عن منهجيتها، وأنّ القضية ليست مجرّد وصول إنسان نرجسي مريض إلى السلطة، بل هي منظومةٌ متكاملة قائمة على الطغيان. فقد بدأت هذه الدولة بإقامة سلطتها على قتل وإبادة سكّانها الأصليين، «الهنود الحمر»، ثمّ واصلت صهر من يأتيها طائعًا في بوتقة الخادم الأمين لثقافة الطغيان، ليحصل مقابل ذلك على امتيازات ماديّة بعد أن يتخلّى عن إنسانيته وينخلع من القيم التي نشأ عليها في بلده الأصلي.

وقد مارست الولايات المتحدة هذا الطغيان على امتداد مسارها التاريخي كلّه؛ ولا حاجة للتذكير بحرب فيتنام، أو بقصف اليابان بالقنابل النووية، ولا حديثًا باحتلال أفغانستان والعراق، فضلًا عن دعمها اللامحدود للاحتلال الصهيوني.

لسان حال الولايات المتحدة، الذي جاء دونالد ترامب برعونته ليكشِفَه بلغة المقال والأفعال الفجّة، هو ذاته الذي كان قائمًا من قبل، لكن بطرق أقلّ فجاجة، خلاصته: نحن الأقوى في العالم، وعلى العالم أن ينقاد لنا كرهًا أو طوعًا؛ وفي الحالتين سنرسم سياساته وفق مصالحنا. وهذه هي الربوبيّة المطلقة، ومقولة فرعون القديمة (أنا ربّكم الأعلى)

وعلى هذا الأساس، ينقسم العالم إلى من يدور في الفلك الأمريكي، ومن يمانع ويحاول الخروج عن هذا الطغيان. السبيل الوحيد للنجاة هو امتلاك القوّة؛ وما عدا ذلك لا يزن عند أمريكا جناح بعوضة: لا اعتبارات إنسانيّة، ولا أخلاقيّة، إطلاقًا. القوّة وحدها هي التي تقيم التوازن. لذلك نرى دولًا كالصين وروسيا وكوريا الشماليّة، وبعض الدول الأخرى تحاول كلٌّ بطريقتها، وغالبًا عبر الدبلوماسيّة الناعمة، إدراكًا منها أنّها لا تقوى على المواجهة المباشرة، فتناور وتسير بحذر شديد على هامش طريقٍ مريع.

أمّا غالبيّة الدول العربيّة، فقد قدّمت منذ نشأتها أوراق اعتمادها مبكرًا؛ لم تعارض ولم تمانع، بل فتحت المجال للسياسات الاستعماريّة كي تمضي قُدمًا سياسيًّا واقتصاديًّا للعمّ سام بكلّ أريحيّة. عرفت أنّ وليّ نعمة حكّامها هو أمريكا، فلا داعي لأيّ مشاغبة. وقد جسّد عبد الرحمن منيف هذا الواقع في رواياته ع ، وسمّاها «مدن الملح»، والملح سريع الذوبان إن خالف العمّ سام. أمّا مصر، فبعد حرب تشرين انتقلت طواعيةً من المعسكر الشرقي إلى الأمريكي على يد أنور السادات، ومنذ ذلك الحين وهي محسوبة على الفلك الأمريكي.

نعود إلى الصورة الهوليوديّة التي أبدع فيها ترامب حين اختطف الرئيس الفنزويلي؛ فهذا السلوك منسجم تمامًا مع النهج الأمريكي، غير أنّ ترامب نفّذه بأسلوب استعراضي وقح، يكشف درجة الانحطاط التي وصلت إليها أمريكا بوضوح فاضح. وهي تمارس السلوك ذاته مع الزعامات العربيّة، غير أنّ الفرق أنّ الرئيس الفنزويلي رفض، بينما «جماعتنا» لا يرفضون، بل يأتون خاضعين طائعين.

كان بإمكان الرئيس مادورو أن يدخل «زريبة» الحكّام الخانعين، وأن يُبدي انسجامه مع السياسة الأمريكيّة، فيُستقبل في البيت الأبيض استقبالًا حافلًا، ويحظى بمديح ترامب، ويعود إلى بلده متباهِيًا بدبلوماسيّة ناعمة و«ذكاء سياسي» يدّعيه الخانعون؛ لكن النتيجة ستكون ضياع مقدّرات البلد في مهبّ المطامع الأمريكيّة التي لا حدود لها. فأمريكا لا تقبل بأنصاف العبيد؛ هي تريد العبوديّة الكاملة: تسليم مقاليد السياسة والاقتصاد، مقابل وهم السيادة وصورة الزعامة.

اختار مادورو أن يبقى سيّدًا حرًّا، ولو مختطَفًا مقيّدًا، على أن يبقى في قصره عبدًا لا يملك من الأمر شيئًا سوى صورة السيادة. ففي الخيار الأوّل تبقى الروح، ويبقى الأمل، وتبقى القوّة التي لا بدّ أن يثور بها شعبه على كلّ من يريد استعباد فنزويلا، شعبًا وبلدًا.

المصدر / فلسطين أون لاين