يشكل قرار السلطة الفلسطينية قطع رواتب الأسرى والشهداء والجرحى، وتحويلها إلى ما يسمى “مؤسسة تمكين” وفق نظام “البحث الاجتماعي” بدلا من صفة النضال والأسر والشهادة الساحة الفلسطينية خدمة مجانية لسياسات الاحتلال، ومشاركةً في فرض العقوبات المجحفة بحق عائلات الشهداء والأسرى.
وكان رئيس السلطة محمود عباس قد أصدر في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي قرارا بقانون ألغى بموجبه منظومة الاستحقاق القائمة على صفة الأسير أو الشهيد أو الجريح، واستبدلها بنظام "بحث اجتماعي موحد" يحدد الاستحقاق وفق معيار الاحتياج فقط، دون اعتبار لسنوات السجن أو طبيعة الإصابة أو الشهادة.
وأغلق مواطنون غاضبون شارع فيصل وسط مدينة نابلس الثلاثاء الماضي، احتجاجًا على قطع السلطة الفلسطينية رواتب الشهداء والأسرى والجرحى، ورفضًا لتحويلها عبر مؤسسة "تمكين" كحالات اجتماعية.
وأكد المحتجون أن قطع الرواتب يُعدّ خيانة لدماء الشهداء، وتنكرا فاضحا لتضحيات الجرحى، وطعنة في ظهر الأسرى الذين يواجهون السجان بأجسادهم العارية.
وأشاروا إلى أن رواتب الشهداء والجرحى والأسرى حق أصيل غير قابل للمساومة، وأن مؤسسة تمكين تتحمّل المسؤولية الكاملة والمباشرة عن تجويع مئات العائلات، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية ونفسية وإنسانية كارثية.
خدمة مجانية
وقال إبراهيم الراعي، نجل الأسير علي إبراهيم سالم الراعي، لصحيفة "فلسطين" إن قرار قطع رواتب الأسرى يشكل "طعنة في ظهر من قدموا زهرات أعمارهم في سبيل الوطن"، مؤكداً أن هذا القرار هو "تنكر صريح لتضحيات الآلاف من الأسرى وعائلاتهم، وعلى رأسهم والدي الذي يدخل عامه الثاني والثلاثين في سجون الاحتلال".
والأسير علي إبراهيم سالم الراعي يعد أحد أقدم الأسرى الفلسطينيين من سكان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة. اعتُقل بتاريخ 9 أبريل/ نيسان 1994 خلال انتفاضة الحجارة، وصدر بحقه حكم السجن المؤبد على خلفية مشاركته في عمليات ضد الاحتلال.
وأضاف الراعي: "والدي قضى أكثر من ثلاثة عقود خلف القضبان دفاعاً عن كرامة هذا الشعب، لم يساوم ولم يساير، ودفع ثمن حريته من أجل حريتنا جميعاً، ثم يأتي اليوم من يحاول حرمانه وحرمان عائلته من أبسط حقوقهم المعيشية. هذه ليست سياسة مالية، بل إساءة أخلاقية وقيمية لرموز شعبنا".
وبيّن أن قطع رواتب الأسرى "ليس إجراءً إدارياً عابراً؛ إنه رسالة قاسية تقول للأسرى إن تضحياتهم منسية وإن الوطن الذي ضحوا من أجله يدير ظهره لهم. لن نقبل أن يتحول المناضلون إلى عبء بدل أن يكونوا عنواناً للفخر".
واعتبر الراعي أن هذا القرار "خدمة مجانية لسياسات الاحتلال التي حاولت دائماً تجريم نضال الأسرى وتجفيف مصادر صمودهم"، مشدداً على أن "من يقطع قوت أسير وعائلته إنما يشارك في العقوبة التي يفرضها الاحتلال عليه".
وختم بالقول: "نقول بصوت واضح: رواتب الأسرى ليست مِنّة من أحد، بل حق انتزعته الدماء والسنوات الطويلة في الزنازين. من يكرم الأسرى يكرم الوطن، ومن يتنكر لهم يتنكر لتاريخه. لن نتراجع عن المطالبة بحقوق والدي وكل الأسرى حتى آخر لحظة".
ظلم مضاعف
من جانبها، قالت أم محمد بدوي زوجة الأسير عاصم بدوي من رام الله لـ"فلسطين" إن قرار السلطة قطع راتب زوجها بعد مرور خمسة أشهر على اعتقاله يمثل "ظلما مضاعفا للأسير ولعائلته، وتنكرا موجعا لتضحياته وتضحيات كل الأسرى الذين يدافعون عن كرامة هذا الشعب".
وأضافت: "لم يكتف الاحتلال باعتقال زوجي وحرمان أطفاله من حضنه، بل جاء هذا القرار ليحرمهم من قوتهم الأساسي. قطع الراتب ليس رقما في ورقة، إنه خبز طفل ودواء مريض وإيجار بيت. من يتحمل مسؤولية أن ننقلب بين ليلة وضحاها إلى عائلة مهددة بالجوع والعوز؟".
ولفتت أم محمد النظر إلى أن "زوجي عاصم دخل السجن دفاعا عن أرضه وشعبه، ولم يدخل سعيا لامتيازات. اليوم تتم معاقبته داخل السجن، وتعاقب أسرته خارجه. هذه سياسة قاسية وغير إنسانية، وتضغط على عائلات الأسرى في أكثر لحظات حياتهم ألما وضعفا".
وأكدت أم محمد أن "قطع رواتب الأسرى هو تنكر صريح للتضحيات، وخدمة مباشرة لسياسات الاحتلال الذي يسعى منذ سنوات إلى تجفيف مصادر صمود الأسرى وعائلاتهم". وأضافت: "حين يتم تجويع عائلة أسير، فهذا يحقق ما يريده الاحتلال تماما: كسر روح المقاومة وإهانة كرامة المناضلين".
وختمت تصريحها بالقول: "نطالب بإعادة راتب زوجي وكل الأسرى فورا. رواتب الأسرى ليست مِنّة من أحد، بل حق شرعته تضحياتهم ودموع عائلاتهم. من يكرم الأسرى يكرم فلسطين، ومن يتنكر لهم إنما يتنكر لتاريخها وهويتها".
تجاوز خطير
من ناحيته، قال النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني د. حسن خريشة إن قرار السلطة الفلسطينية قطع رواتب عائلات الشهداء والأسرى والجرحى وتحويلها إلى ما يسمى "مؤسسة تمكين" يمثل "تجاوزا خطيرا للقيم الوطنية، وتنكرًا فادحًا لتضحيات الشعب الفلسطيني، وخدمة مباشرة لسياسات الاحتلال التي تستهدف كسر إرادة الأسرى وعائلاتهم".
وأضاف خريشة في تصريح صحفي أن هذه الخطوة "لا يمكن النظر إليها إلا بوصفها سياسة عقابية جماعية تطال الفئات الأكثر تضحية ومعاناة"، مؤكدا أنها "تعمق الشرخ الداخلي وتضرب أسس التضامن الاجتماعي في لحظة هي من أكثر لحظات شعبنا قسوة وحساسية".
وأوضح أن قطع مستحقات عائلات الشهداء والأسرى والجرحى "لا يمس الجانب المعيشي فقط، بل يترك آثارا إنسانية واجتماعية مدمرة"، لافتا إلى أن آلاف الأسر التي فقدت معيلها أو يعيش أبناؤها خلف القضبان تعتمد على هذه المخصصات في تأمين احتياجاتها الأساسية من علاج وتعليم وغذاء وإيجار، وأن المساس بها “يدفع هذه الأسر إلى الفقر القسري والمهانة الاجتماعية".
وشدد خريشة على أن هذا القرار "يتقاطع بشكل واضح مع الإملاءات الإسرائيلية والأميركية التي تسعى منذ سنوات لوقف مخصصات الأسرى والشهداء، بوصفها عنوانًا لصمود الشعب الفلسطيني"، معتبرا أن الرضوخ لهذه الضغوط "يشكل سقوطا سياسيا وأخلاقيا، وتخليا عن جوهر العدالة تجاه من قدموا أعمارهم وأجسادهم وحياتهم دفاعًا عن الوطن".
وأشار إلى أن اتخاذ مثل هذه الإجراءات في الوقت الذي يتعرض فيه الأسرى داخل سجون الاحتلال لأبشع الانتهاكات والاعتداءات "يعني مضاعفة المعاناة بدل التخفيف منها"، ويبعث برسالة سلبية وقاسية لعائلاتهم مفادها أنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الاحتلال.
وقال خريشة إن "حقوق الأسرى والشهداء والجرحى ليست منّة من أحد، بل هي استحقاق وطني وأخلاقي وقانوني"، مؤكدًا أن الواجب يقتضي حمايتها وتعزيزها لا المساس بها.
ودعا إلى التراجع الفوري عن القرارات الأخيرة وإعادة صرف المخصصات وفق الأنظمة السابقة، وفتح حوار وطني شامل يضمن صون حقوق هذه الفئات ويحافظ على وحدّة المجتمع.
واختتم تصريحه بالقول إن "المساس بعائلات الشهداء والأسرى هو مساس بروح القضية الفلسطينية ذاتها، وإن أي سياسة تؤدي إلى تجويع هذه العائلات أو إذلالها إنما تخدم مشروع الاحتلال الرامي إلى كسر الرموز الوطنية ونزع المعنى عن تضحيات شعبنا، وهو ما لن يقبله شعبنا ولا قواه الحية".