فلسطين أون لاين

انهيار منظومة الكهرباء يحوّل ليل غزة إلى خطر يومي

...
عتمة كثيفة تلفّ الأحياء منذ قصف محطة توليد الكهرباء في الأيام الأولى لحرب الإبادة الإسرائيلية
غزة/ مريم الشوبكي

حين يحلّ الليل على غزة، لا تُضاء البيوت ولا الشوارع، بل تختفي المدينة دفعةً واحدة.

عتمة كثيفة تلفّ الأحياء منذ قصف محطة توليد الكهرباء في الأيام الأولى لحرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2024، وما تلا ذلك من تدمير واسع لمصادر الطاقة البديلة، ومنع إدخال ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات، وصولًا إلى استهدافها المباشر كلما ظهرت فوق الأسطح.

لم يعد الظلام ظرفًا طارئًا، بل واقعًا مفروضًا أعاد تشكيل الليل بوصفه زمنًا للخوف والانكماش، لا للراحة.

عتمة مقصودة

لم يتوقف استهداف الكهرباء عند محطة التوليد، بل توسّع ليشمل أسطح المنازل، والمخابر، والعمارات السكنية، ونقاط شحن الهواتف، وحتى ألواح الطاقة الشمسية التي حاولت بعض العائلات الاحتماء بها من الظلام.

ويقول سكان إن أي لوح شمسي يُرصد فوق الأسطح يتحول إلى هدف، ما جعل امتلاك مصدر طاقة بديل مخاطرة بحدّ ذاتها، في ظل منع إدخال بدائل جديدة طوال الحرب.

في معظم البيوت، تحلّ كشافات الهواتف المحمولة مكان المصابيح. تُشعلها الأمهات ليلًا لتفقّد أطفالهن الصغار أو مرافقتهم إلى الحمام، ثم تُطفأ سريعًا خوفًا من نفاد الشحن.

تقول مرام إسليم، أم لطفلتين إحداهما تبلغ عامًا ونصف العام: «أحرص على أن تنام بناتي باكرًا بعد صلاة العشاء، فالعتمة تخيف الصغار. طفلتي تبكي بمجرد أن يحلّ الليل ويختفي الضوء، كأنها تشعر بالخطر قبل أن تفهمه».

حظر منزلي

قبل غروب الشمس، تفرض بعض الأمهات ما يشبه حظر تجوال منزلي؛ لا خروج، ولا لعب، ولا حركة بعد حلول الظلام.

تقول عبير الهسي (42 عامًا)، التي تقطن داخل خيمة في حي التفاح بعد تدمير منزلها في منطقة الزرقة شمال مدينة غزة، إنها تمنع أطفالها من مغادرة الخيمة ليلًا، خوفًا من وعورة الطرق وامتلائها بالحفر أو المناهل المكشوفة التي لا تُرى في العتمة.

هذا الخوف ليس افتراضيًا. ففي الأيام الماضية، استُشهد الطفل عطا مأمون مي «أبو شدق» (6 أعوام)، إثر سقوطه في بئر مياه شمال قطاع غزة، في حادثة أعادت إلى الواجهة مخاطر العتمة وتهالك البنية التحتية.

وتقول سماهر البايض (43 عامًا)، أم لستة أطفال ونازحة من حي الشجاعية: «نعيش الليل ونحن نعدّ أبناءنا واحدًا واحدًا، نخاف أن نغفو فيتحرك أحدهم في الظلام ولا نراه».

طاقة باهظة

يحاول بعض السكان الاشتراك في مولدات كهرباء، لكن كلفتها مرتفعة للغاية ولا تتناسب مع الانهيار الاقتصادي وفقدان مصادر الدخل.

يقول أبو خليل العرقان، من حي الشيخ رضوان، وأب لأربعة أطفال: «اشتراك المولد يساوي ثمن طعام أسبوع… نختار العتمة كي لا نجوع».

في تفسيره لهذا الواقع، يؤكد المتحدث باسم شركة توزيع الكهرباء في غزة، محمد ثابت، أن محطة توليد الكهرباء لا تزال قادرة على العمل جزئيًا أو كليًا إذا توفرت الشروط الأساسية، وعلى رأسها فتح المعابر وإدخال الوقود الصناعي والمعدات اللازمة للصيانة.

ويقول ثابت لـ"فلسطين أون لاين" إن محطة التوليد «على استعداد للعمل»، غير أن استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال الوقود وقطع الغيار ومعدات الصيانة لمحطة التوليد ومحطات التحويل يشكّل العائق الأكبر أمام إعادة التشغيل، مشددًا على أن الوقود الصناعي عنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه.

ويضيف أن استمرار إغلاق المعابر لا يمنع فقط تشغيل محطة التوليد، بل يعيق أيضًا صيانة شبكات نقل وتوزيع الكهرباء، ما يُبقي القطاع في حالة شلل كهربائي كامل.

حلول مؤقتة

وحول البدائل المتاحة، يوضح ثابت أن الطاقة الشمسية، رغم أهميتها، تبقى طاقة مساندة لا يمكنها تعويض مصادر الكهرباء الأساسية، مثل محطة التوليد أو خطوط الكهرباء القادمة من الجانب الإسرائيلي، لكنها تظل حلًا طارئًا وضروريًا في ظل الانقطاع الكامل.

ويشير إلى أن السماح بإدخال أنظمة الطاقة الشمسية بشكل ميسّر يمكن أن يوفّر حدًا أدنى من الكهرباء للمنازل والمحال التجارية والورش والمصانع والقطاع الزراعي، إضافة إلى تمكين البلديات والمؤسسات الخدماتية والإغاثية من تشغيل مضخات المياه ومحطات الصرف الصحي.

ويكشف عن مطالبات رفعتها شركة توزيع الكهرباء، بالتعاون مع سلطة الطاقة الفلسطينية، إلى المؤسسات الدولية للضغط من أجل إدخال أنظمة الطاقة الشمسية والمولدات الجديدة بشكل عاجل، لسد فجوة العجز في مرحلة «التعافي المبكر»، إلى حين إعادة إعمار شبكات الكهرباء وتشغيل مصادر الطاقة الأساسية.

تحذير أممي

تؤكد الأمم المتحدة أن تدمير البنية التحتية للطاقة في قطاع غزة، ومنع إدخال المعدات البديلة، أدى إلى انهيار شبه كامل لمنظومة الكهرباء.

ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن انقطاع الكهرباء يعيق ضخ المياه، ويشلّ عمل المستشفيات، ويزيد المخاطر الأمنية ليلًا، خصوصًا على الأطفال والنساء.

كما تحذّر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) من أن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا من العتمة، فيما تؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO) أن الاعتماد على مولدات محدودة الوقود يهدد استمرارية الخدمات الصحية، خاصة خلال ساعات الليل.

مسؤولية قانونية

من منظور القانون الدولي الإنساني، فإن استهداف البنية التحتية المدنية، بما فيها منشآت الكهرباء والطاقة، ومنع إدخال البدائل اللازمة لاستمرار الحياة، يُعدّ شكلًا من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب اتفاقيات جنيف، لا سيما عندما يطال المدنيين والأطفال والمرضى.

في غزة، لا يُقاس الليل بالساعات، بل بكمية الخوف التي يحملها. مدينة تعيش على ضوء هاتف، وتنام مبكرًا لا تعبًا، بل خوفًا، وتنتظر صباحًا لا يعد بشيء سوى يوم جديد من العتمة.

 

المصدر / فلسطين أون لاين