اعتاد الخطاب السياسي والإعلامي أن يصف الضفة الغربية أنها على صفيح ساخن، كمن ينتظر شرارة واحدة كي يعاود الاشتعال، لكن ما يحدث اليوم أقرب إلى صفيح بارد، ليس لأن قبضة الاحتلال قد هدأت، أو أن المجتمع استعاد توازنه، بل لأن منظومة طويلة من الهندسة الأمنية والديموغرافية والاقتصادية نجحت في تحويل القهر إلى يوميات، والاستثناء إلى قاعدة، فإغلاق المدن أو الحواجز لم يعد خبرا عاجلا، واقتحام الجامعات واستعمال الرصاص الحي داخل حرمها لم يعد محرما.
تحول لا يفسر بالأمن وحده، بل بما يمكن تسميته باقتصاد الاستنزاف، أي الإبقاء على حالة تعب دائم، وضغط مالي مستمر، وقلق معيشي، واعتماد شبه كامل على قرارات خارجية، تجعل الوصول الى العمل او الجامعة مغامرة يومية، وتتحول الحياة الى ادارة طوابير ومداخل ومخارج، فيجري سحب المجتمع من المجال العام الى حيز النجاة الفردية، لا يختفي الغضب، لكنه يفقد قدرته على التنظيم، وتفقد السياسة قدرتها على خلق سردية ومعنى وخطة عمل واحدة، وبالتالي فالبرود هنا ليس نقيضا للمواجهة فحسب، لكنه نتيجة لتفكيك شروطها.
ولكي تكتمل الصورة، تتقدم عصا المستوطنين بغطاء من جيش الاحتلال، تهجير وقيود حركة، ومجتمعات تعرضت لتفريغ كامل في مناطق متفرقة من الضفة، وتسارع لأنماط ضغط تدفع للرحيل أو الانكفاء، وفي خلفية المشهد مشروع استيطاني يتسع ويتمدد، ينتقل من العشوائية الى مرحلة المشاريع الفاصلة جغرافيا، وما مشروع "E1" الا مثال واحد عليها، فيقطع اوصال الضفة فعليا ويفصل القدس عن محيطها، ما يعمق منطق الكانتونات.
وهنا يظهر التناقض المرير؛ اقرار عالمي ان الاحتلال غير قانوني، لكن على المستوى السياسي يجري التعامل معه كواقع يفرض وقائع لا رجعة عنها، وهنا تكمن مفارقة ان تربح معركه في النصوص، وتخسر الارض، بين نص يعلن قاعدة وواقع يكافئ منتهكيها.
وسط هذا المشهد تقف السلطة التي تمر بمرحلة هي الاصعب، ازمات لا عد لها ولا نهاية، دعم خارجي اقل، واحتجاز لاموال المقاصة التي تشكل عمود ماليتها العامة، اقتطاعات اضافية وربط سياسي مباشر، فساد لم يعد مجرد عنوان، بل يقابل بمقارنة بين العجز عن تامين ابسط الاحتياجات وشبكات من الامتيازات التي لا تبدو انها تتأثر بالأزمة، ما يجعل من ذلك عامل تفكيك اجتماعي، وتصبح معه اي محاولات لمكافحة الفساد مجرد رسائل علاقات عامة، غير مستدامة، ولا مرتبطة بتغيير ملموس في قواعد الحكم والرقابة، الاخطر ان الأزمة تعيد ترتيب الأولويات الوطنية قسرا، فرواتب الأسرى التي كانت لعقود محاطة بسياج من الإجماع الرمزي، صارت محل مساومات تحت ضغط المقاصة والمانحين، تحول يضرب جوهر الشرعية، فحين يتحول ما كان مرفوضا الى مقدسا، وما كان مقدسا الى محل مساومة تحت سكين المال، تتآكل فكره التمثيل نفسها.
السلطة هنا لا تواجه أزمة تمويل فقط، بل أزمة وظيفية، فوظيفتها تتبدل لتصبح إدارة خدمات تحت سقف الاحتلال، وهو أقرب إلى سياسة التكيف والاحتواء، وتجنب الصدام، وادارة ازمة، وانتظار تبدل مزاج واشنطن او تل ابيب، فضلا عن شراء الوقت عبر دعم عربي او اوروبي متقطع، مقاربات قد تمنع الانهيار الفوري، لكنها تفتح الباب لاستنزاف بطيء يطال المالية والشرعية وحتى القدرة على الفعل او المبادرة.
في المقابل، الاحتلال لا يشتري الوقت، بل يستثمره، ويدفع بمشاريع استيطانية "عملاقة"، ويضاعف القيود الاقتصادية، ويعمق الاعتماد الفلسطيني على المقاصة، وبذلك يصنع معادلة بسيطة، مجتمع محاصر يحتاج الى دخل، ودخل مربوط بقراره، وفي هذه المعادلة تتحول السياسة الى ادارة شهرية للازمات، والمقاومة الى فعل معزول، والقدس الى هامش في المشهد رغم كونها قلب المعركة، ويصبح تغييبها دليل نجاح الهندسة، وبالتالي يسهل تقديم القضية كملف خدمات وامن، لا كقضيه تحرر.
العدوان على غزة أعاد تشكيل كل شيء في الضفة، ليس فقط عبر الصدمة، بل عبر أعباء اقتصادية واجتماعية وأمنية، وإغلاقات وبطالة، وحالة من الضغط على كل صعيد وفي كل اتجاه، والسؤال إذاً، ليس لماذا لم تنفجر الضفة؟ بل، كيف جرى نزع فتيل الانفجار عبر تحويله إلى احتراق يومي؟ فالبرود لا يعني الرضا، بل يعني وجود معادلة قاهرة؛ كلفة الفعل ترتفع، ونتائج الفعل لا تظهر، المؤسسة السياسية تفقد الثقة، والاحتلال يوسع مجال السيطرة بلا كلفة دولية
المخرج يبدأ وينتهي من إعادة ترتيب البيت السياسي الفلسطيني عبر تفعيل أطر تمثيل حقيقية، فمجتمع بلا تمثيل سيتحول الى افراد مشتتين تسهل إدارتهم، والسيطرة عليهم، فالضفة على صفيح بارد، نعم، لكن البرود ليس نهاية الحكاية، بل مرحلة يعاد فيها تشكيل المجتمع تحت ضغط الاحتلال والمال والفرقة السياسية واعادة تعريف الممكن، وبالتالي من يظن ان هذا البرود يعني الامن، فهو لا يفهم طبيعة ما يجري، فربما لا يكون الخطر في الانفجار بقدر اعتياد المشهد، وتحول الاحتلال الى خلفية صامتة لحياة بلا افق.

