يمثّل فصل موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في قطاع غزة خطوة سياسية تتجاوز البعد الإداري، في ظل مساعٍ تقودها أطراف إقليمية ودولية لتقويض دور الوكالة بوصفها الشاهد الدولي على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
ويأتي هذا القرار في سياق يتماهى مع المواقف الإسرائيلية والأمريكية الداعية إلى إنهاء عمل «الأونروا» ونقل مهامها إلى مؤسسات أخرى، في محاولة لطمس حق العودة وإنهاء ملف اللاجئين الفلسطينيين، بما يخدم أجندات الاحتلال الساعية إلى إغلاق هذا الملف نهائيًا.
ويثير توقيت القرار، المتزامن مع قرب انتهاء ولاية المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني، العديد من التساؤلات، ويعزز الشكوك حول تعرض الوكالة لضغوط لتمرير قرارات ذات طابع سياسي في مرحلة انتقالية حساسة.
وأكد المختص في شؤون اللاجئين محمود خلف أن قرار «الأونروا» الأخير غير مسبوق، ويتنافى مع الاتفاقيات الدولية الناظمة لعمل الوكالة، ويستهدف بشكل مباشر دورها تجاه اللاجئين الفلسطينيين، كما يمثل تعديًا صارخًا على حقوق الموظفين.
وأوضح خلف لصحيفة «فلسطين» أن «الموظفين الذين جرى توقيفهم مبعدون قسرًا عن قطاع غزة، ولم يغادروا بإرادتهم، وفي حال فُتح المعبر سيعودون فورًا إلى أماكن عملهم، ما ينفي ذريعة تغيبهم».
وأشار إلى أن هذا الإجراء ينطوي على أبعاد سياسية خطيرة تمس جوهر وجود «الأونروا»، ويتماشى بالكامل مع الرغبات الإسرائيلية والأمريكية الرامية إلى تقويض الوكالة وشطب حق العودة، باعتبارها شاهدًا حيًا على النكبة المستمرة.
ورأى خلف أن ما يجري يُعد عدوانًا على الجوانب الإنسانية والقانونية والسياسية، لا سيما في ظل استعداد المفوض العام للأونروا لمغادرة منصبه، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول خلفيات القرار وتوقيته.
من جانبه، أكد الكاتب السياسي والحقوقي مصطفى إبراهيم أن قرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» فصل نحو 622 موظفًا وموظفة لم يكن مفاجئًا، مشيرًا إلى أن الوكالة كانت قد اتخذت، قبل نحو عام، قرارًا بتجميد رواتب العاملين الفلسطينيين الذين غادروا قطاع غزة خلال الحرب.
وقال إبراهيم لـ«فلسطين» إن «هؤلاء الموظفين اضطروا إلى مغادرة القطاع إما هربًا من الأوضاع الإنسانية الكارثية وأهوال الحرب، أو لمرافقة مرضى وجرحى لتلقي العلاج خارج غزة، حيث تمكن عدد منهم من البقاء في مصر دون القدرة على العودة في ظل إغلاق المعابر واستمرار العمليات العسكرية».
وأوضح أن «الأونروا» بررت في حينه قرار تجميد الرواتب بصعوبات مالية، لافتًا إلى أن الوكالة تتعرض منذ الأيام الأولى للحرب لهجمة إسرائيلية ممنهجة، شملت توجيه اتهامات خطيرة لموظفيها بزعم وجود علاقات لهم مع فصائل فلسطينية أو مشاركتهم في هجوم السابع من أكتوبر، وهي اتهامات لم تثبت صحتها، وفق ما أعلنته الوكالة نفسها.
وأضاف أن هذه الاتهامات تندرج ضمن حملة قديمة متجددة تستهدف «الأونروا» بصفتها الوكالة الأممية الوحيدة المعنية بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، سواء من خلال تقديم الإغاثة الإنسانية أو خدمات الصحة والتعليم والطوارئ، مشيرًا إلى أن خدمات الوكالة تشمل نحو 70% من سكان قطاع غزة المصنفين لاجئين.
ولفت إبراهيم إلى أن «الأونروا» تُعد الجهة الوحيدة التي تمتلك قاعدة بيانات شاملة عن اللاجئين الفلسطينيين، وقد لعبت دورًا محوريًا في توزيع المساعدات خلال المراحل الأولى من الحرب، إلا أن الذريعة المطروحة حاليًا هي عدم قدرة الوكالة على تمويل موظفيها.
وحذّر من أن خطورة هذه الخطوة تكمن في كونها بداية للاستسلام للشروط والقيود الإسرائيلية، وفتح الباب أمام تصفية «الأونروا»، وهو ما تسعى إليه إسرائيل والولايات المتحدة منذ سنوات عبر منع التمويل وعرقلة إدخال المساعدات وفرض شروط سياسية على عمل الوكالة.
وأكد أن فصل مئات الموظفين بهذه الطريقة، ومن دون إنذار مسبق، يُعد قرارًا جائرًا مهما كانت المبررات، سواء تعلقت بنقص التمويل أو الضغوط المالية، مشددًا على أن لهذا القرار أبعادًا سياسية خطيرة تمس قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وأشار إلى أن عددًا من الموظفين الدوليين ومسؤولي «الأونروا» غادروا قطاع غزة خلال الحرب وما زالوا على رأس عملهم، معتبرًا أن استهداف المعلمين والعاملين في الخدمات على وجه الخصوص ينطوي على انعكاسات سياسية وإنسانية بالغة الخطورة.
وأوضح إبراهيم أن «الأونروا» ما زالت الجهة الوحيدة المخولة بتشغيل وحماية اللاجئين الفلسطينيين بتفويض من الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنها تعاني من أزمة تمويل مزمنة، نتيجة غياب صندوق ثابت تابع للأمم المتحدة، واعتمادها على تبرعات الدول التي تراجع دعمها بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن الولايات المتحدة، أكبر ممولي الوكالة، سبق أن أوقفت تمويلها بالكامل خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب بذريعة مشابهة لتلك المطروحة حاليًا، ما انعكس بشكل مباشر على عمل الوكالة.
وشدد على أن المساس بـ«الأونروا» لا يستهدف خدماتها الإنسانية فحسب، بل يطال صفة اللاجئ الفلسطيني ذاتها، وهي صفة سياسية مرتبطة بحق العودة، محذرًا من أن هذا القرار قد يفتح الباب أمام فصل أعداد أكبر من الموظفين، في وقت يبلغ عدد العاملين في «الأونروا» بقطاع غزة نحو 13 ألف موظف.
وأشار إلى أن الوكالة تحتاج إلى نحو 800 مليون دولار لتغطية احتياجاتها، في حين لم يصلها سوى جزء محدود من هذا المبلغ، في ظل ما وصفه بـ«الابتزاز الإسرائيلي» ومحاولات فرض شروط على عمل المنظمات الدولية في غزة، وعلى رأسها «الأونروا».
وختم بالتحذير من أن ما يجري يحمل أبعادًا سياسية خطيرة على مستقبل «الأونروا»، وعلى أوضاع آلاف العاملين فيها، وعلى مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين، ليس في قطاع غزة فحسب، بل في الأردن ولبنان وسوريا أيضًا، مؤكدًا أن الوكالة تمثل إطارًا سياسيًا وقانونيًا لقضية اللاجئين، وليست مجرد مؤسسة إنسانية، خاصة في ظل غياب دولة فلسطينية قادرة على توفير الخدمات التي تقلصت بشكل حاد حتى قبل اندلاع الحرب.

