فلسطين أون لاين

القوارض في أماكن النزوح… خطر صامت وعضة قد تفتح باب المرض

...
ظروف قاسية يعيشها النازحون في قطاع غزة
غزة/ مريم الشوبكي

في خيام النزوح المكتظة بقطاع غزة، لا يقتصر الخطر على القصف ونقص الغذاء، بل يمتد إلى تهديد صحي صامت يتمثل في انتشار الفئران والجرذان، التي تحولت إلى كابوس يومي يهدد سلامة الغذاء وصحة آلاف النازحين.

يحذّر الاستشاري الطبي البيطري في غزة، الدكتور سعود الشوا، من أن رؤية الفئران أو الجرذان بشكل مباشر، أو حتى ملاحظة دلائل وجودها مثل المخلفات البرازية، أو الأعشاش، أو آثار القضم على الأدوات وأغلفة الطعام، تستوجب اتخاذ إجراءات فورية دون تردد.

ويؤكد الشوا لـ "فلسطين أون لاين" أن مؤشرات أخرى قد تبدو بسيطة لكنها شديدة الخطورة، مثل وجود ثقوب في المكان، أو مياه آسنة ومتجمعة، أو محيط ملوث حول حاويات النفايات، مشددًا على أن تجاهل هذه العلامات يهيئ بيئة مثالية لتكاثر القوارض وانتقال الأمراض.

وفي مثل هذه الحالات، ينصح الشوا باستشارة خبير مختص في مكافحة الآفات لتقييم الوضع بدقة، وتقديم توصيات واضحة حول طرق المكافحة المناسبة، بالتوازي مع تحضير المناطق المصابة عبر تغطية الأطعمة والمعدات وأدوات تحضير الطعام، وحماية الأسطح غير القابلة للنقل، ثم غسل وشطف وتطهير كل ما يلامس الغذاء بعد انتهاء المعالجة، مع تحديد الإجراءات الاحترازية قبل العملية وبعدها، واختيار مواد كيميائية آمنة لا تلوث الغذاء أو البيئة المحيطة.

ثلاث قواعد أساسية

ويؤكد الدكتور الشوا أن البرنامج الفعّال لمكافحة القوارض يقوم على ثلاث قواعد أساسية لا غنى عنها: منع وصول الآفات إلى المكان من الأساس، وإبعاد مصادر الطعام والماء والمأوى عنها، والاستعانة بمتخصصين للقضاء على القوارض الموجودة فعليًا.

وفي جانب الوقاية، يشدد على ضرورة فحص الصناديق والكراتين القادمة مع المساعدات الغذائية للتأكد من خلوها من الحشرات أو القوارض، وسد جميع الفتحات والتشققات، والحفاظ على المكان مغلقًا ونظيفًا، مع حفظ النفايات في أكياس مغلقة داخل حاويات مغطاة، وتنظيف المحيط الخارجي باستمرار لإزالة بقايا الطعام أو الفضلات التي قد تجذب القوارض.

النفايات بوابة القوارض

ويلفت الشوا إلى أن النفايات والأوساخ تشكل بيئة مثالية لتكاثر الجراثيم والحشرات، وتوفر مصدرًا مباشرًا لغذاء القوارض. لذلك، يؤكد ضرورة حفظها في حاويات سهلة التنظيف ومغلقة بإحكام، واستخدام أكياس بلاستيكية داخلها لتسهيل التخلص المنتظم منها بعيدًا عن أماكن السكن، مع الحفاظ على نظافة المناطق المحيطة بها قدر الإمكان، ووضع مصائد قريبة عند الحاجة.

كما يشدد على أهمية تخزين الأطعمة مغطاة جيدًا وفي أماكن مرتفعة عن الأرض، ونقل المواد الأساسية مثل الطحين والسكر من عبواتها الأصلية إلى حاويات محكمة الإغلاق.

الطعوم السامة

وحول مكافحة القوارض الموجودة بالفعل، يوضح الدكتور الشوا أن ذلك يتم عبر وسائل متعددة، تشمل إتلاف الجحور واستخدام المصائد الخاصة، أو الاستعانة بالقطط كوسيلة طبيعية للصيد، أو استخدام مواد لاصقة تعمل على تثبيت الفأر ثم القضاء عليه، أو اللجوء إلى مبيدات القوارض على شكل طعوم سامة أو غازات أو مساحيق نثر.

ويبيّن أن الطعم الفعّال يتكوّن عادة من جريش الحبوب مثل القمح أو الذرة، مع إضافة السم ومادة جاذبة مثل اليانسون أو الزعفران أو الزيت النباتي أو السكر. وفي طريقة التحضير الآمنة، تُنقع حبوب القمح أو جريش الذرة في الماء لمدة ساعة، ثم تُخلط بنسبة 1:50 مع مادة بروموديالون بتركيز 0.005%، المعروفة تجاريًا باسم «راتيمون» أو «راكيمون»، مع إضافة زيت نباتي أو مواد جاذبة أخرى.

ويشرح الشوا أن الخطوة الأولى تبدأ بنشر طعوم غير سامة لمدة ثلاثة أيام لكسب ثقة القوارض، قبل استبدالها بالطعوم السامة في اليوم الرابع داخل المسالك المؤكدة، مع متابعة يومية لتغيير الطعوم التالفة وزيادة الكمية وفق معدل الاستهلاك. وبعد انتهاء الدورة، تُرفع الطعوم وتُعدم بدفنها في حفرة بعمق متر واحد بعيدًا عن مصادر المياه أو مجاري السيول والأمطار، مع جمع القوارض النافقة بحذر شديد ودفنها أو التخلص منها في مكبات النفايات.

الأطفال أولًا

ويحذر الدكتور الشوا بشدة من إبقاء الطعوم السامة في متناول الأطفال، مشيرًا إلى أن فيتامين K يُعد الترياق المستخدم في حال التسمم البشري بهذا النوع من المبيدات. كما ينصح بتغيير نوع الطعم من وقت لآخر، وارتداء القفازات عند وضعه لتجنب ترك رائحة بشرية قد تجعل الفئران أكثر حذرًا، وتفضيل الأغذية الرطبة الدسمة بطيئة الفساد مثل زبدة الفول السوداني، مع الالتزام التام بتعليمات العبوة، واستخدام المنتجات المصرح بها فقط من الجهات الصحية المحلية، وحفظ المبيدات في عبواتها الأصلية بعيدًا تمامًا عن أماكن تخزين وتحضير الطعام.

عضة الجرذ

في المقابل، يحذّر أستاذ علم الميكروبات بكلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية، الدكتور عبد الرؤوف المناعمة، من الاستهانة بعضة الجرذ، مؤكدًا أنها قد تنقل أمراضًا خطيرة نتيجة دخول اللعاب أو البول أو الأوساخ إلى الجرح.

ويشير المناعمة لـ"فلسطين أون لاين" إلى أن أخطر هذه الأمراض هو حمى عضة الجرذ، وهي الأكثر شيوعًا وخطورة، إذ تظهر أعراضها بعد 3 إلى 10 أيام، وتشمل ارتفاع الحرارة، والصداع، وآلام الجسم، وطفحًا جلديًا غالبًا في اليدين والقدمين، إضافة إلى آلام وتورم في المفاصل، وقد تؤدي في حال عدم العلاج إلى مضاعفات خطيرة مثل التهاب القلب أو المفاصل.

كما قد تنقل العضة داء اللِّبتوسبيرا (داء البريميات)، الذي ينتقل من بول الجرذان، وتتمثل أعراضه في ارتفاع مفاجئ في الحرارة، وصداع شديد، وآلام قوية في العضلات، خاصة الساقين، واحمرار في العينين، فيما قد تتطور الحالات الشديدة إلى فشل كلوي، واصفرار الجلد والعينين، ونزيف.

ويضيف المناعمة أن العضة قد تتسبب أيضًا في التهابات جرثومية موضعية نتيجة بكتيريا متعددة، أبرزها المكورات العنقودية الذهبية، والبكتيريا العقدية المقيحة، والبكتيريا اللاهوائية بأنواعها، إضافة إلى البكتيريا سالبة الغرام الموجودة في فم ولعاب الجرذ، ما يؤدي إلى احمرار وتورم وخروج قيح وألم متزايد، ويستدعي تدخلًا طبيًا واستخدام مضادات حيوية.

ولا يقل خطر الكزاز (التيتانوس) أهمية، إذ قد يحدث إذا كان الجرح ملوثًا، وهو مرض شديد الخطورة قد يؤدي إلى الوفاة في كثير من الحالات، وتظهر أعراضه في تشنج الفك وتشنجات عضلية مؤلمة، مع التأكيد على أن الوقاية منه تكون عبر التطعيم.

ماذا بعد العضة؟

وينصح المناعمة بغسل الجرح فورًا بالماء الجاري والصابون لمدة خمس دقائق، وتعقيمه بمطهر مناسب مثل اليود أو الكحول الطبي، ومراجعة الطبيب فور ظهور حرارة، أو زيادة الألم، أو التورم، أو خروج قيح، مع التأكد من أن تطعيم الكزاز مُحدَّث.

وفي ظل واقع النزوح القاسي، يجمع الطبيبان على أن عضة الجرذ ليست أمرًا بسيطًا، وأن التنظيف السريع والمتابعة الطبية المبكرة يقيان من معظم المضاعفات، غير أن الحل الجذري يبقى في التخلص من الظروف التي تؤدي إلى انتشار الجرذان.

ففي أماكن فقدت أدنى مقومات الحياة الآمنة، يصبح الوعي والنظافة والوقاية وتكاتف الجهود المجتمعية خط الدفاع الأول في مواجهة خطر صحي قد يتحول في أي لحظة إلى أزمة أوسع.

المصدر / فلسطين أون لاين