في قطاع غزة لم يعد المطر مجرد ظاهرة طبيعية، بل تحوّل إلى رمز للخوف والقلق المستمرين. فالسكان يعيشون حالة ترقّب نفسي دائم مع اقتراب أي منخفض جوي، في تجربة ترسّخت بعد حرب الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي قبل عامين، وما خلّفته من نزوح جماعي، وفقدان للمنازل، وعيش عشرات الآلاف في ظروف قاسية داخل خيام ومساكن متهالكة.
روزان عياد (38 عامًا) تقول: “كلما سمعت أن منخفضًا جويًا قادمًا أشعر بالخوف فورًا. في العام الماضي غرقت خيمتي عندما كنت نازحة في دير البلح، واضطررت للوقوف وسط البرد والمطر، ولم أعرف ماذا أفعل مع أولادي وزوجي حينها”.
وتضيف عياد لصحيفة "فلسطين": “بعد عودتي إلى مدينة غزة نصبنا خيمتنا بالقرب من منطقة الجوازات، ومع كل منخفض ينتابني الرعب من تكرار تجربة الغرق مرة أخرى، وأظل أتابع أخبار الطقس يومًا بيوم، حتى قبل اقتراب المنخفض من غزة”.
أما عائشة شملخ (45 عامًا)، فتوضح أن العيش داخل الخيمة يشعرها بالعجز التام عن حماية أطفالها من المرض، وهو عجز تحوّل مع الوقت إلى حالة دائمة من القلق والخوف.
وتبيّن، لـ"فلسطين"، أن عدم وجود أي خيارات لمواجهة المنخفضات خلال فصل الشتاء يزيد الضغط النفسي عليها، ويجعلها تعيش حالة من عدم الاستقرار العاطفي، ينعكس بدوره على تعاملها مع المحيطين بها.
وتنوّه شملخ إلى أن خوفها لا ينبع فقط من تجربتها الشخصية، بل من القصص والأخبار التي تسمعها خلال المنخفضات الجوية، وما يتعرّض له النازحون من تطاير الخيام وغرقها، بل وحتى استشهاد بعضهم نتيجة البرد القارس.
من جانبها، توضح الأخصائية النفسية سهام أصليح أن الخوف شعور طبيعي يحمي الإنسان، لكنه في غزة تحوّل إلى خوف مكتسب، مرتبط بتجارب الحرب السابقة والظروف القاسية المتكررة.
وتقول، لـ"فلسطين": “الخوف من المنخفضات الجوية ليس شعورًا عفويًا، بل هو نتاج تجارب مؤلمة سابقة، حيث غرقت الخيام، وفقد الناس ما تبقى لديهم من أثاث، وأصيب الأطفال بأمراض مختلفة، وتوفي بعضهم بسبب البرد والمياه. لذلك بات السكان ينظرون إلى أي منخفض كأنه حرب جديدة قد تفقدهم أحد أفراد الأسرة أو ما تبقى من ممتلكاتهم”.
وتشير أصليح إلى أن هذا الخوف يسبقه شعور دائم بالقلق حتى قبل هطول المطر، نتيجة الذاكرة الجمعية للأحداث السابقة، مثل فيضان البحر، وغرق الخيام، وانهيار بعض المباني على ساكنيها.
وتضيف: “هذه الحالة تُعرف نفسيًا بحالة التأهّب، حيث يتفاعل الناس مع تكرار المواقف المؤلمة، حتى وإن لم يعيشوها شخصيًا، بل سمعوا بها أو شاهدوها لدى أقاربهم أو جيرانهم”.
وتوضح أن من أبرز مظاهر الخوف النفسي القلق، والذي يظهر بوضوح لدى مختلف الفئات العمرية؛ فعند الأطفال يتجلى في التبول اللاإرادي، والفزع أثناء النوم، والكوابيس المتكررة.
أما لدى النساء، فتتمثل الأعراض في الشعور بعدم القدرة على إدارة الأزمات، وزيادة التوتر النفسي، وضعف القدرة الجسدية. بينما يعاني كبار السن من شعور بالعجز وتحميل أنفسهم عبئًا نفسيًا إضافيًا خوفًا على المحيطين بهم.
وتؤكد أصليح أن الجميع يعيش حالة من القلق واليأس المستمر، والخوف من فقدان الأحبة أو ما تبقى من الممتلكات، إلا أن الفئات الأكثر هشاشة نفسيًا هم الأطفال والنساء وكبار السن، حيث يعاني كل منهم من القلق والخوف بأشكال مختلفة.
وتنبّه الأخصائية النفسية إلى أن فرص التعافي ما تزال محدودة، وتتطلب جهودًا مشتركة على عدة مستويات، تشمل المتابعة النفسية الفردية للأشخاص الأكثر تأثرًا، وتهيئة ظروف مادية واجتماعية مناسبة للتخفيف من حدة الضغط النفسي.
وتضيف: “يتطلب الأمر كذلك دورًا فاعلًا من المؤسسات المحلية والدولية، من خلال تنظيم ورش توعوية، وتقديم خدمات اجتماعية ونفسية، وتوفير مأوى آمن وظروف معيشية مستقرة، للحد من حالة الخوف المستمرة”.
في غزة، أصبح الخوف من المطر جزءًا من الحياة اليومية، يعكس الأثر العميق لحرب الإبادة على الذاكرة النفسية الجماعية. وبينما يحاول السكان التكيّف مع واقع مليء بالمخاطر، تبقى الحاجة ماسّة إلى خطط وقائية نفسية، وملاجئ آمنة، ودعم اجتماعي مستمر، للتخفيف من وطأة القلق والخوف، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة.

