في مخيم النصيرات كان تامر القرعة (40 عامًا) يعرف البحر كما يعرف بيته. صيادٌ منذ أن بلغ الرابعة عشرة من عمره، ورث المهنة عن والده، وعلّق قلبه بين الشبكة والموج، وجعل من البحر مصدر رزقه الوحيد.
لكن بعد الحرب الأخيرة، لم يبقَ شيء على حاله. يقول شقيقه أحمد القرعة لصحيفة فلسطين: “قبل الحرب كان لدينا مركب بمحرك، اليوم لم يتبقَّ سوى حسكة بدائية، ومجدافها كالمِلعقة في البحر، خطِرة جدًا ولا تستطيع مواجهة الأمواج”.
وفي صباح شتوي عاصف، بتاريخ 2/1/2026، خرج تامر مع شقيقه أحمد للصيد، بالرغم من أن البحر كان لا يزال هائجًا. انقلبت الحسكة للمرة الأولى، فطلب منه شقيقه العودة، لكنه رفض، وقال له: “الصيادون عادوا برزقهم، وأنا أيضًا لازم أرجع برزقي. ما في خبز بالدار ولا طحين، لازم أرجّع إشي للأولاد”.
ويسرد أحمد تفاصيل اللحظات الأخيرة قائلًا: “في المرة الثانية انقلبت الحسكة، ولم يسعفه جسده. برد البحر اخترق جسده حتى توقف قلبه”. نُقل تامر إلى المستشفى، لكنه كان قد فارق الحياة.
وبصوت تخنقه الدموع، تقول زوجته أم بكر: “لم أتوقع أن يغدر بنا البحر ويخطفه من بين عائلته، لكن صعوبة الوضع الاقتصادي هي التي دفعته للخروج في مثل هذا الجو”.
وتضيف: “قبل أن يخرج للصيد في ذلك اليوم، أخبرني أنه إذا رزقه الله، سيأخذ ابنه بكر إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية”، إذ كان بكر قد أُصيب خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ولا يزال بحاجة إلى استكمال علاجه.
ما لم يقتله الجوع، قتله البحر، وما دفعه إلى البحر كان الفقر، والحرب، وقيود الاحتلال المفروضة على الصيادين. ويضيف شقيقه أحمد: “نعيش الخطر يوميًا؛ فإلى جانب القصف، نواجه اعتداءات الزوارق الإسرائيلية، والمطاردة، والاعتقال، ومصادرة الشِباك”.
لم يمت تامر في موج البحر وحده، بل في موج الاحتلال، والحصار، والقهر.
من جانبه، أوضح نقيب الصيادين الفلسطينيين، زكريا بكر، أن الأيام الماضية شهدت تصعيدًا خطيرًا من قبل الاحتلال ضد قطاع الصيد البحري في غزة، أسفر عن استشهاد 232 صيادًا فلسطينيًا منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على القطاع.
وأشار بكر إلى أن سياسة الاحتلال لا تقتصر على استهداف الصيادين بالقتل، بل تهدف إلى تحويل البحر إلى منطقة محظورة وخطِرة، عبر فرض منع شامل للصيد، وإطلاق النار المتكرر على كل من يحاول الوصول إلى البحر، إضافة إلى استهداف المرافئ ومناطق تجمع الصيادين بالقصف الجوي والبري.
وبيّن أن قطاع الصيد تكبّد خسائر مادية جسيمة، تمثلت في تدمير أكثر من 85% من أسطول الصيد في غزة، بما يشمل مئات المراكب الكبيرة وآلاف القوارب الصغيرة و”الحسكات”، فضلًا عن تدمير أو مصادرة آلاف الشِباك ومعدات الصيد، وإحراق أجزاء واسعة منها.
ولفت بكر إلى أن موانئ الصيد تعرّضت لتدمير شبه كامل، لا سيما في غزة وخان يونس ودير البلح، إضافة إلى تدمير مخازن المعدات وغرف الصيادين والبنية التحتية المرتبطة بالقطاع، ما يجعل استئناف العمل في الوقت الراهن أمرًا بالغ الصعوبة.

