فلسطين أون لاين

تقرير تدمير أجهزة الأشعة في “الشفاء” يهدد حياة المرضى

...
صورة من الأرشيف
غزة/ عبد الله التركماني:

في أحد أروقة مستشفى الشفاء بمدينة غزة، وقف طبيب الطوارئ عبد الرحيم العدوي محدّقًا في جسد سيدة مسنّة تعاني ضيقا حادا في التنفس. كانت أنفاسها متقطعة، وملامح الاختناق ترتسم على وجهها الشاحب، في حين ترتفع صفارات أجهزة المراقبة من حولها. طلب الطبيب إجراء صورة أشعة عاجلة للصدر، لكنه سرعان ما تراجع عن الطلب، ليس لعدم الحاجة الطبية، بل لأن جهاز الأشعة لم يعد متوافرًا.

يقول العدوي لصحيفة "فلسطين": “في الظروف الطبيعية، تُعد صورة الأشعة أول إجراء نطلبه في حالة كهذه. نحتاج لمعرفة ما إذا كان هناك التهاب رئوي، أو تجمع سوائل، أو نزيف، أو جلطة. اليوم نعمل كأننا معصوبو الأعين، بعدما دمّر جيش الاحتلال مختبراتنا وأجهزة الأشعة الأساسية”.

السيدة، التي تجاوزت السبعين عامًا، كانت تعاني مرضا قلبيا مزمنا، إلا أن التدهور المفاجئ في حالتها أربك الطاقم الطبي. فدون صورة أشعة، لم يعد واضحًا إن كان ضيق التنفس ناتجًا عن فشل قلبي، أو التهاب رئوي حاد، أو ارتشاح سوائل في الصدر، أو حتى جلطة رئوية قد تكون قاتلة.

“لكل تشخيص علاج مختلف تمامًا”، يضيف الطبيب بقلق واضح، “والخطأ هنا لا يعني تدهور الحالة فحسب، بل قد يعني الوفاة. ومع ذلك، نحن مضطرون لاتخاذ القرار اعتمادًا على التخمين والفحص السريري فقط”.

جلس الطبيب للحظات إلى جانب سرير المريضة، واضعًا سماعته على صدرها، محاولًا التقاط أصوات الرئتين وسط الضجيج. قدّم لها الأكسجين، وبدأ بعلاج تجريبي، مدركًا أن أي تأخير أو خطأ قد يكون الأخير.

“هذا أصعب ما نواجهه اليوم”، يقول العدوي، “أن نقرّر العلاج دون دليل بصري. فالطب الحديث قائم على الصورة، ونحن حُرمنا منها بالكامل”.

لم يكن مجمع الشفاء الطبي مجرد مستشفى لمعالجة المرضى خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، بل تحوّل إلى محور للصراع نفسه وهدف متكرر للهجمات العسكرية، ما جعله ينتقل من أكبر منشأة صحية في القطاع إلى رمز للدمار والمعاناة.

وتعرّض المستشفى لعمليات اقتحام متكررة نفذها جيش الاحتلال خلال الحرب، تخللتها إعدامات ميدانية بحق طواقم طبية ومرضى، واعتقالات طالت أطباء ومسؤولين إداريين، من بينهم مدير المستشفى الذي احتُجز لأسابيع طويلة قبل الإفراج عنه دون توجيه تهم رسمية.

كما استخدمت قوات الاحتلال الطواقم الطبية كـ“دروع بشرية” أثناء الاقتحامات، إلى جانب تدمير المعدات الطبية، وتعطيل الأجهزة الحيوية، وقطع الكهرباء عن الأقسام الحرجة، ما أدخل المستشفى في حالة شلل تشخيصي وعلاجي حاد.

“الجهاز معطّل”

محمد الزعيم (27 عامًا) وصل إلى مستشفى الشفاء وهو يعرج على ساقه اليمنى بعد تعرّضه لإصابة أثناء عمله في أحد أسواق غزة. كان الألم ينهش ساقه منذ ساعات، وقد أنهكه التعب، لكنه كان يأمل أن تساعده صورة الأشعة في معرفة حجم الإصابة.

عند وصوله إلى قسم الأشعة، اصطدم بواقع صادم. يقول الزعيم لصحيفة فلسطين: “جئت وأنا أعتمد على الأشعة لمعرفة حجم الضرر في ساقي، لكنهم أخبروني بصراحة أن الجهاز معطّل ولا يمكن إجراء أي تصوير. شعرت بعجز كبير، وبحجم الدمار الذي خلّفته الحرب، حتى بعد انتهائها”.

ويضيف، وهو يحاول رفع ساقه بحذر: “كنت مستعدًا لتحمّل الألم، لكن كل خطوة كانت موجعة. الطبيب يريد اتخاذ قرار العلاج، لكنه لا يعرف حجم الكسر ولا يستطيع رؤية ما يحدث داخل العظام. شعرت بخوف حقيقي من أن يكون هناك نزيف داخلي غير مكتشف، وأن يتحوّل أي خطأ إلى خطر قاتل”.

يصف الزعيم شعوره بالإحباط قائلًا: “غادرت المستشفى وأنا أشعر أن جسدي أصبح أثقل من الألم نفسه. كل ما أردته هو معرفة حجم إصابتي، لكن الحرب حرمتني حتى من هذا الحق البسيط”.

ودعا الزعيم المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية إلى التدخل العاجل لإعادة تشغيل أجهزة الأشعة، مؤكدًا أن “كل يوم تأخير يعني مزيدًا من المعاناة، وإصابات قد تتحوّل إلى إعاقات دائمة، وأحيانًا إلى وفاة”.

قرارات عالية الخطورة

بحسب إدارة مستشفى الشفاء، فإن تدمير الاحتلال الإسرائيلي لأجهزة الأشعة والتصوير الطبي حرم مئات المرضى يوميًا من التشخيص الدقيق، وحوّل أقسام الطوارئ إلى ساحات لاتخاذ قرارات طبية عالية الخطورة، لا سيما لكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة.

ويؤكد محمد مطر، رئيس قسم الأشعة في مستشفى الشفاء، أن ما يجري داخل المستشفى “ليس مجرد نقص فني، بل انهيار تشخيصي كامل”. ويضيف: “الأشعة ليست رفاهية، بل هي عين الطبيب. وعندما تُدمَّر هذه العين، يصبح كل قرار علاجي احتمالًا مفتوحًا على الخطأ”.

وتابع مطر: “في اليوم الواحد نواجه عشرات الحالات التي كان بالإمكان إنقاذها بسهولة لو توفرت أجهزة الأشعة. بعض المرضى يصلون إلينا، ونحن مضطرون لتخمين طبيعة إصاباتهم اعتمادًا على الفحص الجسدي فقط، وهذا وضع غير إنساني”.

وأضاف: “كبار السن وذوو الأمراض المزمنة هم الأكثر تضررًا. نشاهد حالات فشل قلبي، والتهابات حادة، وكسور داخلية، وكل واحدة منها تحتاج صورة دقيقة. وبدونها يصبح العلاج تجريبيًا وقد يضاعف المخاطر”.

ويبيّن مطر أن الأطباء يشعرون بحالة عجز شديدة، قائلًا: “نحن متدرّبون على اتخاذ القرارات الطبية بناءً على الأدلة، لكن اليوم يعتمد كل شيء على الحدس والفحص اليدوي. هذا لم يعد طبًا، بل مقامرة بحياة الناس”.

وختم مطر بنداء عاجل: “نناشد المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية التحرك الفوري لإدخال أجهزة الأشعة إلى مستشفى الشفاء. فكل يوم تأخير يعني أرواحًا تُفقد، ومرضى يُحرمون من فرصة النجاة”.

المصدر / فلسطين أون لاين