تشهد غزة خروقات إسرائيلية متصاعدة لوقف اتفاق الإبادة الجماعية ضد سكان القطاع، الذي بدأ حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وسط تدهور تام في الجوانب الإنسانية والحياتية والمعيشية والصحية وغيرها.
وعلى الرغم من مرور ثلاثة شهور على الاتفاق الذي وقع في مدينة شرم الشيخ المصرية برعاية الوسطاء (مصر، قطر، تركيا) وإشراف الإدارة الأمريكية، يرتكب جيش الاحتلال يوميا جرائم قتل ضد المدنيين العزل، وأعمال تفجير ونسف لمنازل المواطنين خلف "الخط الأصفر" الذي يتمدد غربا يوما بعد آخر.
واستشهد، أول من أمس، 4 مواطنين بينهما طفلة في قصف مسيرة إسرائيلية لخيمة نازحين في "مواصي خان يونس" وأصيب آخرون بجروح متفاوتة، كما أصيب طفل بجروح إثر استهدافه بطائرة مسيرة قرب دوار بني سهيلا شرقي خان يونس.
ونفذ الطيران الحربي الإسرائيلي غارات جوية على رفح وخان يونس وشمال القطاع، وذلك بالتزامن مع أعمال تفجير ونسف لأحياء سكنية شرق حي الزيتون جنوبي مدينة غزة وأعمال توسعة لـ"الخط الأصفر" شرق مخيمي البريج والمغازي وسط القطاع.
هذه الخروقات اليومية، جاءت غداة تأكيدات حركة حماس ورسائلها للوسطاء بأن الاحتلال يصعد خروقاته للاتفاق عبر عمليات قتل المدنيين وقصف المنازل والأحياء السكنية خلف "الخط الأصفر" الذي يقوم بإزاحته وتوسعته للتضيق على السكان النازحين غربا.
و"الخط الأصفر" هو "خط وهمي" يحدد مناطق انتشار جيش الاحتلال الذي قام بتوسعته منذ بداية الاتفاق وحتى اللحظة ويقوم بالسيطرة على أزيد عن 54 بالمئة من مساحة القطاع الذي يشهد إبادة جماعية مستمرة منذ أزيد عن عامين.
"أجواء الحرب"
ويقول النازح أسعد حمد (50 عاما) إنه لا يشعر بتحسن ملحوظ في الحياة الإنسانية والمعيشية عشية اتفاق وقف الإبادة الإسرائيلية على غزة.
ويعيش حمد برفقة أسرته المكونة من ثمانية أفراد داخل مخيم إيواء عشوائي أقامه نازحون من شمال القطاع إلى وسطه على طريق صلاح الدين، ويشكو غياب الدعم الأممي والغذائي والإنساني للعائلات الغزية المنكوبة.
ويضيف حمد لصحيفة "فلسطين": "لا زلنا نعيش أجواء الإبادة.. القصف والنسف وإطلاق النار مستمر يوميا"، وبيديه مشيرا إلى الآليات الإسرائيلية المتمركزة شرق مخيم البريج ليعبر عن خوفه من قذائف المدفعية العشوائية وإطلاق النار من الآليات المتمركزة خلف "الخط الأصفر".
وبشكل يومي، ترصد جهات حكومية في غزة وتيرة الاختراقات الإسرائيلية التي بلغت حتى اللحظة أزيد عن 1116 خرقا للاتفاق من بينها جرائم قتل ضد المواطنين، جرائم توغل للآليات العسكرية داخل المناطق السكنية، جرائم قصف واستهداف لمواطنين وخيام نازحين وجرائم نسف وتدمير لمؤسسات مدنية ومنازل سكنية.
وأحصى المكتب الإعلام الحكومي استشهاد فيها أكثر من 420 موطنا وإصابة 1150 آخرين عدا عن قيود إسرائيلية على دخول المساعدات الإنسانية التي لا تتجاوز 42 بالمئة من المتفق عليه ما فاقم معاناة المواطنين.
وأكد "الإعلام الحكومي" أن هذه الخروقات تشكل انتهاكا صريحا للقانون الدولي الإنساني وتقويضا متعمدا للبروتوكول الإنساني الملحق به.
قيود إسرائيلية
ووفقا للمدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس فإن متوسط الشاحنات التي كانت تدخل غزة أواخر أكتوبر يوما تراوح بين 200و300 شاحنة، أما في الأسبوع الأول من ديسمبر فقد تراجع هذا الرقم إلى معدل وسطي لا يتجاوز 140 شاحنة يوميا ضمن قوافل الأمم المتحدة. بحسب بيانات أممية.
وبحسب إفادة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) لم يحصل سوى 65% من سكان غزة على مساعدات غذائية خلال شهر نوفمبر، كما تفيد منظمة الأمم المتحدة "يونيسيف" بأن ثلثي الأطفال دون سن الخامسة تناولوا في أكتوبر أطعمة تقتصر على مجموعة غذائية واحدة أو مجموعتين من أصل ثماني مجموعات غذائية أساسية يوصى بها لضمان النمو السليم.
ومع تعذر تقديم الخدمات الصحية على نحو شامل ونقص إمدادات المياه الصالحة للشرب وسوء شبكات الصرف الصحي وما يترتب على ذلك من أخطار صحية وبيئية تؤكد "يونيسيف" أن جميع الأطفال البالغ عددهم 320 ألف طفل في غزة دون سن الخامسة لا يزالون عرضة لخطر سوء التغذية الحاد وهو شكل من أشكال الحرمان الغذائي الذي يهدد الحياة ويتطلب تدخلا طبيا عاجلا.
وتعليق على ذلك، قال مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أمجد الشوا إن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف الإبادة وعدم الالتزام ببنود البروتوكول الإنساني للاتفاق دفع بالمشهد الإنساني في جميع المستويات لأكثر خطورة وأكثر تعقيدا.
وأضاف أن القصف والقذائف وإطلاق النار المتكرر يوميا دفعا بموجات نزوح مستمرة للسكان من المناطق السكنية الواقعة قرب "الخط الأصفر" إلى النزوح غربا.
وتطرق لـ"فلسطين" إلى تفاقم معاناة النازحين الذين يبلغ تعدداهم مليون ونصف يعيشون في خيام بالية ومهترئة، دون سماح سلطات الاحتلال بإدخال "البيوت المتنقلة" أو مستلزمات الإيواء والشتاء.
وأشار إلى معاناة البلديات المحلية جراء نقص الوقود والمعدات وقطع الصيانة الأمر الذي يحد من عمل الطواقم المحلية في تقديم الخدمات الحياتية للسكان.
وبحسب إفادته فإنه حتى اللحظة لم يدخل أيا من مواد الإعمار أو مواد إعادة تأهيل البنية التحتية وشبكات المياه وشبكات الصرف الصحي أو تأهيل المستشفيات المدمرة الأمر الذي يزيد من تفاقم الكارثة والمعاناة الإنسانية في غزة.
ولأجل ذلك، يشدد الشوا على دور الوسطاء في إلزام (إسرائيل) ببنود الاتفاق ومراقبة تنفيذه وصولا لإنقاذ 2.4 مليون إنسان في غزة من إبادة جماعية مستمرة رغم وجود الاتفاق.
استمرار الإبادة
وفي هذا الإطار، يري الحقوقي الفلسطيني صلاح عبد العاطي أن (إسرائيل) تواصل سلسلة خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار دون أية اعتبار لمعطيات إنسانية أو صحية أو معيشية وكذلك الإدانات والمواقف الدولية.
وذكر أن سلطات الاحتلال لا تعرقل دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة فقط بل تعيق تقدم الخطوات والانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق مع بقاء احتلال غزة والتمسك بمطلب "نزع السلاح" من فصائل المقاومة.
وحذر من خطورة استمرار (إسرائيل) في الإبادة الإسرائيلية بمختلف أشكالها وصولا للتهجير القسري للسكان وتحويل القطاع إلى منطقة غير قابلة للحياة.
ومنذ أكتوبر/ تشرين أول 2023 ترتكب (إسرائيل) إبادة جماعية في غزة بدعم وغطاء أمريكي أسفرت حتى اللحظة عن استشهاد أكثر عن 71 ألف مواطن و171 ألف جريح وفقدان آثار نحو 10 آلاف مواطن واعتقال الآلاف داخل سجونها ودون محاكامات.

