لا يزال قطاع غزة يعيش حالة مركّبة يمكن توصيفها بـ"اللاحرب واللااستقرار"، إذ لم تتحول الهدنة المعلنة إلى حالة سياسية مستقرة، ولم تُفضِ حتى الآن إلى الدخول الفعلي في المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في شهر أكتوبر الماضي، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي وفتح معبر رفح وتدفق المساعدات بصورة طبيعية.
هذا الجمود لا يبدو عارضاً أو ناتجاً عن صعوبات فنية، بل يأتي في سياق سياسي وأمني أوسع، تؤكده التصريحات الإسرائيلية المتكررة التي تشدد على أن "الملف الأمني لم يُحسم بعد"، وأن أي انتقال إلى مراحل متقدمة من الاتفاق مشروط بما تسميه (إسرائيل) "ضمانات أمنية كاملة" ونزع سلاح المقاومة.
فقد أكد مسؤولون إسرائيليون، بينهم رئيس الحكومة المتطرفة بنيامين نتنياهو ووزير الحرب، في أكثر من مناسبة، أن "(إسرائيل) لن تنسحب من غزة ولن تفتح المعابر ما لم يتم ضمان عدم عودة التهديد"، في إشارة واضحة إلى ربط المسار الإنساني والسياسي بالاشتراطات الأمنية.
ومن الواضح أن (إسرائيل) تتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه هدنة قسرية مؤقتة، تتيح لها إعادة ترتيب أدوات الضغط دون العودة إلى شكل الحرب السابق، عبر التحكم في مفاصل الحياة اليومية في غزة، من المساعدات الإنسانية، إلى المعابر، وإعادة الإعمار.
هذا النهج ينسجم مع المواقف الأمريكية الداعمة، التي تركز على "التهدئة" دون الخوض في حل سياسي جذري، ما يكرس واقعاً هشاً يُبقي القطاع تحت التهديد الدائم.
وكانت هيئة البث الرسمية نقلت عن نتنياهو قوله: توصلنا إلى تفاهمات مع الأميركيين بعدم فتح معبر رفح قبل استعادة جثة الأسير الأخير في غزة.
هدنة قسرية مؤقتة
ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة، أن ما يجري في غزة ليس تعثراً عارضاً، بل جزء من تفاهم غير معلن بين (إسرائيل) والولايات المتحدة يقوم على فرض "هدنة قسرية مؤقتة" ذات طابع إنساني–أمني، دون أي أفق لحل سياسي حقيقي.
ووفق هذا التصور، فإن بقاء الوضع في غزة ضمن إدارة أمنية مشددة، مع تعليق الملفات الجوهرية، يخدم مصالح الطرفين، ويمنحهما هامشاً واسعاً للمناورة والضغط دون العودة إلى شكل الحرب الشاملة التي باتت مكلفة سياسياً وأخلاقياً لـ(إسرائيل)، ومحرجة للولايات المتحدة على المستوى الدولي، حسبما يقول هلسة لصحيفة "فلسطين".
ويوضح أن هذا التفاهم يفسر، إلى حد كبير، تأخر الدخول في المرحلة الثانية من الاتفاق، إذ تواصل (إسرائيل) ترحيل استحقاقات المرحلة الأولى إلى المرحلة التالية، وتربط تنفيذ التزاماتها، كفتح معبر رفح والانسحاب، بشروط إضافية تتعلق بسلاح المقاومة، في محاولة لإعادة صياغة الاتفاق وفق أجندتها الأمنية.
ويضيف: "في هذا السياق تتحول فكرة نزع السلاح إلى أداة ضغط استراتيجية، لا تهدف إلى إنهاء الحرب بقدر ما تهدف إلى إبقائها بصيغة منخفضة الوتيرة، تسمح باستمرار القتل اليومي، وتوسيع المناطق العازلة، والتحكم بمصادر الحياة في القطاع عبر المعابر والمساعدات".
ويبين أن إغلاق معبر رفح، ومنع إدخال المساعدات بصورة منتظمة، ليسا إجراءات منفصلة عن هذا السياق، بل يمثلان جوهر سياسة التحكم التي تعتمدها (إسرائيل) لإبقاء غزة في حالة إنهاك دائم، مع توفير ذرائع أمنية جاهزة، كقضية جثة جندي إسرائيلي، لتبرير التعطيل والمماطلة.
ووفق هلسة، فإن جيش الاحتلال يسعى لإقناع واشنطن بمنحه مزيداً من الوقت لإنهاء المهمة الموكلة إليه، قبل الانتقال إلى أي ترتيبات سياسية أوسع، ما يعني عملياً إطالة أمد الهدنة الهشة دون حسم.
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي من سلطنة عمان خميس قطيطي أن ما يحدث يرقى إلى مستوى عدم الالتزام الصهيوني الواضح ببنود الاتفاق، خصوصاً فيما يتعلق بالانسحاب، وفتح المعابر، وتسهيل دخول المساعدات، فضلاً عن محاولات السيطرة على ملف إعادة الإعمار وتوجيهه بما يخدم مصالح الاحتلال.
ويؤكد قطيطي لـ"فلسطين"، أن مسألة جثة الأسير ليست جوهر الأزمة، بل تُستخدم كذريعة لإفشال المرحلة الثانية، إذ لو توفرت نوايا حقيقية وضغط أمريكي جاد، لكان بالإمكان تجاوز هذه العقدة سريعاً.
ويرى أن هذه السياسة الإسرائيلية لا تستهدف فقط تأجيل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بل تهدف عملياً إلى تفريغ الاتفاق من مضمونه، وتحويله إلى إطار لإدارة الأزمة لا حلّها.
سياسة المراوحة
حالة "اللاحرب واللااستقرار" هذه تنعكس أيضاً على المشهد الإقليمي، حيث يشير هلسة إلى أن (إسرائيل) لا تشعر بأي أثمان حقيقية في علاقاتها العربية أو الإقليمية أو حتى الأوروبية، ما يشجعها على الاستمرار في سياسة المراوحة والتصعيد المحسوب.
الضغوط العربية، وفق هذا التقدير، بقيت شكلية، ولم ترتقِ إلى مستوى فرض مواقف أو كوابح حقيقية أمام الانفلات الإسرائيلي، الأمر الذي يعزز شعور حكومة نتنياهو بالقوة والنشوة السياسية، ويدفعها لإطلاق يد التيارات الأكثر تطرفاً داخلياً، في محاولة لاسترضاء المجتمع الإسرائيلي وإرسال رسائل طمأنة للداخل والخارج.
في المقابل، يضع قطيطي مسؤولية كسر هذا الجمود على عاتق الولايات المتحدة والوسطاء، معتبراً أن الدخول في المرحلة الثانية لن يتم دون ممارسة واشنطن ضغطاً حقيقياً على الاحتلال.

