بين جدران غرفة معتمة في منزله الواقع بحي النصر، غرب مدينة غزة، يقضي أحمد حرز الله، يومه ملقى على فراش بارد، وتملأ الجروح الغائرة أنحاء جسده النحيف منذ إصابته بقصف إسرائيلي في الحرب التي تجاوزت حدود النزاع التقليدي، وصُنفت أنها إبادة جماعية.
يرقد أحمد البالغ (42 عامًا) في حالة يرثى لها. بيدين مرتجفتين يتحسس وجهه المليء بالندوب الغائرة في رأسه كمن يبحث عن شيء مفقود. يمسك تارة بألعاب نجله الوحيد عُدي الذي غادرهُ دون وداع، وتارة أخرى يرفع ملابسه ويشم رائِحتها، وعندما يريد الوقوف يتكئ على أي شيء أمامه أو بجواره؛ فكل حركة يؤديها يحسب لها ألف حساب بعدما فقد النظر إثر الإصابة.
يوم الحادي والعشرين من أغسطس/ آب 2025، لم يكن عاديًا في حياة أحمد، بل ذكرى مؤلمة ستبقى عالقة في ذهنه طيلة حياته.
في ذلك اليوم، كانت عقارب الساعة تشير إلى التاسعة مساءً. خرج أحمد من منزله للبحث عن عُدي، بعد ساعات من ذهابه للوقوف مع أصدقائه أمام مدرسة تتبع وكالة غوث اللاجئين "أونروا"، تحولت إلى مركز لإيواء نازحي الحرب، غرب المدينة. كان الطفل البالغ (12 عامًا) يبحث عن فسحة أمل تبدد مخاوفه من القصف الإسرائيلي الذي لا يهدأ.
لم يمضِ على وصوله إلى مكان تواجد طفله سوى دقائق معدودة. تحدثا قليلاً مع بعضهما، اطمأن الأب على نجله وضحكا معًا، لكنهما لم يعرفا أن هذا اللقاء الأخير الذي سيجمعها. فجأة ودون سابق إنذار، دوى صوت انفجار عنيف، تطايرت معه أجساد المارين أمام مركز الإيواء، وتصاعدت معه كتلة رهيبة من النيران والدخان الأسود.
كان القصف ناتج عن غارة جوية نفذتها طائرة حربية إسرائيلية بدون طيار، وخلفت ورائها جريمة مروعة راح ضحيتها 8 مواطنين على الأقل بينهم أطفال، وعدد كبير من الإصابات.
"وجدت نفسي ملقى أرضًا، وغير قادر على فعل شيء. فقدت القدرة على النظر، ولم أرَ بعدها عُدي." قال لصحيفة "فلسطين" بصوت مختنق وهو يغالب دموعه.

اكتفى أحمد بالصراخ على عُدي لكن لم يُجيبه أحد. كان الطفل قد فقد الوعي تمامًا بعدما اخترقت الشظايا جسده الصغير بلا رحمة، وسالت الدماء من كل شبر فيه، وقد ألقاه الانفجار على بعد أمتار من والده الذي لم يتمكن من أداء أي حركة بعد الإصابة.
لم يمضِ على المجزرة الإسرائيلية سوى بضعة دقائق حتى وصلت سيارات الإسعاف ونقلت الجرحى إلى مجمع الشفاء الطبي. بذل الأطباء جهدهم لإنقاذ حياة عُدي، ذلك الطفل ذو الوجه الأبيض وصاحب الملامح الهادئة، والذي صار جسدًا هامدًا يتصل بأنابيب التنفس.
بعد قرابة 4 ساعات في غرف العمليات، فارق الطفل الحياة. فارقها دون إذن مسبق، وبلا نظرة وداع لوالده الذي كان لحظتها يصارع الألم، ويحاول الأطباء مداواة جراحه على أسرَّة مستشفى القدس، جنوبي مدينة غزة. مَضت عدة أيام وأحمد ما زال حبيس أسرَّة العلاج، كان يسأل دائمًا: أين عُدي؟ لماذا لم يأتِ لزيارتي؟
شعر الأب أن شيئًا مريرًا يُخفيه أشقاؤه وأبناؤهم الذين رافقوه في رحلة علاجه. ومع تكرار سؤاله عن نجله، أومأ أحدهم برأسه آسفًا، قبل أن يخبره أن عُدي استشهد جراء الغارة الإسرائيلية. عندها انهار أحمد بالبكاء، ولم يتمالك نفسه، وصار يناديه ويتحدث عنه كأنه يقف أمامه رغم أنه لم يعد يرى شيئًا.
"صحيح أنني نجوت من القصف، وحظيت بفرصة أخرى للعيش، لكن لم أعد أحيا كما أريد بعدما فقدت ابني الوحيد. كان عيوني اللي بشوف فيهم، يقف بجانبي ويطيعني ويلبي احتياجاتنا."
وكان عُدي قد ووري جثمانه تحت الثرى تاركًا ذكريات جميلة مع شقيقاته الأربعة، جنى (15 عامًا)، رؤى (9 أعوام)، مسك (5 أعوام)، ونجاح (عامًا واحدًا).
لم تقتصر مأساة الجريح أحمد عند فقده لنجله. فقد فقأت الشظايا عينه اليسرى، وقرر الأطباء استئصالها تاركين بضعة رموش تغطي جرحًا غائرًا في رأسه، وكذلك أصابت العين اليمنى بجروح خطيرة فقد على إثرها الرؤية فيها أيضًا. كما تسببت شظايا أخرى في بتر أصابع الساق اليسرى، وإصبعًا واحدًا من اليد اليمنى المكبلة بجهاز طبي يحول دون تحريكها، علاوة على الشظايا التي اخترقت جسده مباشرة وأصابت الكبد والبنكرياس والأمعاء، وسببت تهتكات شديدة فيها.
في المدة الأخيرة، حصل أحمد على تحويلة للعلاج خارج قطاع غزة، ويأمل أن ينال بها حقه بالسفر قريبًا بعدما أخبره الأطباء المتخصصون بطب العيون، أن عودة النظر إلى العين اليمنى ممكن، لكن لا تتوفر لديهم القدرات الطبية اللازمة لإجراء عمليات جراحية دقيقة، فيما تصطدم آماله بجدار المعبر المغلق بقرار إسرائيلي.
يضيف: "لا أريد أكثر من السفر للعلاج، هذا حقي ولن أتنازل عنه."
يبقى الأمل وحده ما يبقى هذا الجريح على قيد الحياة بعدما "فقد النظر مرتين"، كما يقول، الأولى عندما فقأ القصف عينه، والثانية بفقدانه عدي، في واحدة من أكثر القصص إيلامًا لضحايا حرب الإبادة الجماعية.

