فلسطين أون لاين

تقرير خبيران بالقانون الدولي: تقييد عمل المؤسسات الدولية "جريمة حرب"

...
صورة من الأرشيف
غزة/ نور الدين صالح:

مع استمرار الحرب على قطاع غزة يبرز قرار الاحتلال الإسرائيلي بتقييد عمل المنظمات والمؤسسات الدولية بصفته واحدا من أخطر الإجراءات التي تمس جوهر القانون الدولي الإنساني، لما يحمله من أبعاد قانونية وإنسانية تهدد حياة المدنيين تهديدا مباشرا، وتضرب منظومة الحماية الدولية في أساسها.

هذا القرار، الذي طال مؤسسات إنسانية وإغاثية دولية، لم يعد مجرد إجراء إداري أو أمني كما يدّعي الاحتلال، بل تحوّل إلى أداة ضغط وعقاب جماعي محظورة بموجب القوانين والمواثيق الدولية.

وكانت حكومة الاحتلال المتطرفة قد باشرت بإجراءات سحب تراخيص العمل من عدد من المنظمات الدولية العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بزعم اخفاقها في استكمال متطلبات التسجيل القانونية، واتهام بعض موظفيها بالتورط في "أنشطة إرهابية" على حد زعمها.

كما طالبت حكومةُ الاحتلال بضرورة الكشف عن بيانات العاملين في المنظمات الدولية التي تعمل في مجال الإغاثة الإنسانية في الأراضي الفلسطيني، وهو ما لاقى رفضاً فلسطينيا وشعبياً وقانونياً من مختلف الأطراف.

ويرى أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي محمد مهران، أنه "جريمة حرب ممنهجة وانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني".

ويؤكد مهران لصحيفة "فلسطين"، أن هذا القرار ينتهك بشكل مباشر اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما المادة 59 التي تلزم القوة المحتلة بتسهيل عمليات الإغاثة الإنسانية للسكان المدنيين، إضافة إلى المادة 23 التي تفرض السماح بمرور المواد الطبية والغذائية دون عوائق.

ويلفت مهران إلى أن البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، وتحديدًا المادة 70، يكفل حق السكان المدنيين في الحصول على المساعدات الإنسانية، وأن أي عرقلة لهذا الحق تُعد جريمة حرب بموجب المادة 8 من نظام روما الأساسي، خاصة المادة 8 (2) (ب) (25) التي تجرّم تجويع المدنيين باعتباره أسلوبًا من أساليب الحرب. وبناءً على ذلك، فإن تقييد عمل المنظمات الدولية في غزة يدخل في إطار استخدام التجويع والحصار كوسيلة عسكرية محرّمة دوليًا.

ويحذر مهران من أن هذا القرار يعني عمليًا تحويل قطاع غزة إلى معسكر اعتقال جماعي محروم من أي مساعدات خارجية، مشيرًا إلى أن مؤسسات كالأونروا، والصليب الأحمر، ومنظمة الصحة العالمية تمثل شريان الحياة الوحيد لأكثر من 2.3 مليون فلسطيني.

ويشدد على أن تقييد عملها سيؤدي إلى انهيار كامل للمنظومة الصحية، ومجاعة جماعية، وتوقف التعليم والخدمات الأساسية، وموت آلاف المرضى والجرحى، في سياق ما يصفه بـ"إبادة صامتة دون شهود دوليين".

من جهته، يؤكد أستاذ القانون الخاص في الجامعات الليبية الدكتور راقي المسماري، أن تقييد الاحتلال لعمل المؤسسات الدولية في قطاع غزة يُعد مخالفة واضحة للاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية التي أنشأت هذه المؤسسات، خاصة تلك المعنية بالجوانب الإنسانية والإغاثية.

ويوضح المسماري لـ "فلسطين"، أن هذا القرار يشكل نقضًا صريحًا للعهود الدولية، إذ ينص ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على ضرورة احترام المعاهدات الدولية المتعلقة بالشؤون الإنسانية في أوقات الحرب والسلم، وهو التزام قانوني لا يجوز التحلل منه تحت أي ذريعة.

ويشير المسماري إلى أن المجتمع الدولي يدرك جيدًا أن الاحتلال اعتاد على سلوكيات مخالفة للقانون الدولي والأعراف الإنسانية، إلا أن استمرار هذه الانتهاكات يعود بالأساس إلى الغطاء السياسي والدبلوماسي الذي وفرته الولايات المتحدة للاحتلال على مدار عقود، لا سيما داخل مجلس الأمن الدولي.

هذا الغطاء، وفق المسماري، شجع الاحتلال على المضي قدمًا في سياسات تقويض العمل الإنساني دون خوف من المساءلة أو العقاب.

وتتجلى خطورة هذا القرار في انعكاساته المباشرة على السكان المدنيين في غزة. فبحسب المسماري، ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها المؤسسات الدولية، فإنها لم تتمكن أصلًا من الوصول إلى جميع المحتاجين داخل القطاع نتيجة الحصار والقيود المفروضة، فكيف سيكون الوضع في ظل تضييق إضافي يفرغ العمل الإنساني من مضمونه، ويجعل مئات آلاف المدنيين دون أي مظلة حماية أو إغاثة.

خطوة خطيرة

أما فيما يتعلق باشتراط الاحتلال الحصول على بيانات العاملين في المجال الإنساني، فيجمع الخبيران على خطورة هذا الإجراء.

فالمسماري يرى فيه أداة ابتزاز وتهديد تهدف لإجبار العاملين والمنظمات على وقف عملهم، بينما يعتبره مهران عملية تجسس واستهداف ممنهج، تُستخدم لملاحقة العاملين الإنسانيين وابتزاز المؤسسات وخلق بيئة رعب تمنعها من أداء مهامها. ويؤكد أن القانون الدولي الإنساني يحمي العاملين الإنسانيين ويحظر استهدافهم، وما يجري هو قلب كامل للمعايير القانونية.

وفي ضوء ذلك، يشدد الخبراء على أن مواجهة هذه الانتهاكات تتطلب تحركًا قانونيًا وسياسيًا عاجلًا، يبدأ بفضح الممارسات الإسرائيلية إعلاميًا، ويمر برفع دعاوى أمام المحاكم الدولية المختصة، ولا ينتهي عند ضرورة إصدار قرار أممي ملزم بموجب الفصل السابع، يفرض عقوبات فورية على الاحتلال، باعتبار أن الصمت الدولي لم يعد حيادًا، بل شراكة فعلية في الجريمة.

المصدر / فلسطين أون لاين