فلسطين أون لاين

زرّاديّة ابن غفير

بين الزرّاديّة وابن غفير مشتركات كثيرة: القدرة العالية على القرض والقرط والعضّ، والفنّ المحترف في دسّ الأنف في أضيق الأمور، والبحش والبحث عن الضيّق والكربات.

لكن هناك أيضًا استخدامات متنوّعة للزرّاديّة، منها السلبي ومنها الإيجابي. أمّا ابن غفير فلا يجتمع مع الأشياء إلّا بسلبيّاتها؛ هكذا بُنيت طبيعته الشاذّة. لم يرَ في الزرّاديّة إلّا وهي تُستخدم في التعذيب، لطحن وتكسير العظام.

هو يرى بعيون قلبه المريض الأسرى أنّهم قطعٌ من الحديد والخشب، يحلّ له أن يدسّ أنفه ويعمل أفكاره العنصريّة الزرّديّة في الانقضاض والقضم وزراعة الألم.

ومن المشتركات أيضًا بينهما القدرة العالية على نشر الألم؛ لا يكتفي بقليله، وإنّما يبحث عن مزيده وديمومته. فعندما تسحق الزرّاديّة عظام أسير، لا ينتهي ولا ينفكّ الألم بعد انتهاء المهمّة الجليلة، بل يبقى أشهرًا مديدة، يتألّم أشدّ أنواع الألم دون مسكّن ولا علاج، إلى أن يجبر العظم جابرُ الكسر.

وابن غفير أيضًا، عندما يطبّ على سجن، فإنّه يُبقي توصياتٍ يقوم على تنفيذها عتاولة الإجرام في السجون؛ يغادر ابن غفير، ويبقى الألم بأشكاله العديدة وفق توصياته المجيدة.

أفكار ابن غفير الزرّديّة ليست مقصورة على شخصه العظيم، بل هي امتداد لجوقةٍ من المتطرّفين الموتورين الذين تسلّقوا أكتاف مجتمعٍ متطرّف يعيش الهوس والرؤى الدينيّة المحرّفة والمصنّعة بأيدي مجرمين مهرة. كابرًا عن كابر، ورثوا هذه العدوانيّة الزرّديّة المتوحّشة.

ابن غفير يستمتع ويشعر بالنشوة، وتزداد شعبيّته عندما يتبجّح بصورٍ من العذاب يبتكرها ويشيعها في السجون. يمتلك من قدرات المشاعر الساديّة ما يجعله يحلّق عاليًا دون أن يحتاج إلى أفيون أو حشيش؛ فأفيونه هو هذه السلطنة التي تنتابه كلّما أطلق العنان لأسلوبٍ جديد في التعذيب.

كلّ يوم، قبل نومه وفي منامه، لا يروق له إلّا أن يتخيّل مشهدًا يتقلّب فيه الأسرى في أتون العذاب، ويرى أنّ هناك فرصةً ذهبيّة أتته كي يفرّغ كلّ أفكاره السوداء، ويجعل منها أشكالًا كثيرة ومتنوّعة من العذاب.

يجب ألّا يعتاد هذا الفلسطيني "القذر" على نوعٍ واحدٍ ثابتٍ من العذاب؛ يجب أن يتفتّق عن عبقريّتنا كلّ يوم ما هو جديد، مفاجئ وصاعق، ولا يسبقنا له أحد.

لكن، سيادة الوزير، هذه الزرّديّة هناك من سبقك إليها، وحتى التماسيح؛ فهناك سجنٌ عند أسيادك في فلوريدا أحاطوه بالتماسيح.

أشاح بوجهه وقطّب حاجبيه: هذا صحيح، ولكن لن يُجيدوا تطبيقه كما نحن؛ عناصرِي أشدّاء قساة القلوب، يتقنون زراعة الألم دون أن يرفّ لهم جفن.

الزرّاديّة ليست مجرّد أداة تعذيب؛ إنّها فكرة، وعقيدة، ودين، ومبدأ، وثقافة، وصورة لأناسٍ لا يتقنون إلّا فنون تعذيب البشر. هؤلاء الذين يصلون بأفكارهم العنصريّة الحاقدة إلى اكتشافاتٍ جديدة في غياهب التعذيب وتدمير الروح الإنسانيّة لأسرى كفلت لهم الشرائع البشريّة حقوقًا، فيضربون بها عرض الحائط، ويستبدلونها بما تمليه عليهم أرواحهم الشيطانيّة.

هذه ثقافة عنصريّة سوداء، لا يخرج منها إلّا مثل هذه المخرجات الساديّة التي تتناقض مع كلّ القيم الإنسانيّة التي تعارف عليها البشر.

لا بدّ من فضح ونشر ممارسات هذه العصابة التي تظهر للناس على شكل دولة. يجب أن يلعنها العالم كلّه، ليس فقط أحرار العالم، وإنّما كلّ من بداخله ولو نزرٌ يسير من مشاعر إنسانيّة نبيلة.

الزرّاديّة، والاغتصاب، والتجويع الشديد، والبرد الشنيع، والإهمال الطبي، والضرب، والتكسير حتّى الموت، والاعتداء الوحشي على النساء الأسيرات، والأطفال، والمسنّين، والمرضى، وسدي تومان وما فيه من ويلات.

ستبقى الزرّاديّة عنوانًا لهذه الفترة النكدة من فصلٍ تاريخيٍّ حَكَم فيه الصهاينة فلسطين. لن تنفكّ عنهم هذه الصورة اللعينة، وستبقى لعنةً تطاردهم أبد الدهر.

المصدر / فلسطين أون لاين