فلسطين أون لاين

في الذكرى الثلاثين لاستشهاده

عياش.. مهندس القسام الأول وإرثه الذي لم يُغتل

...
الشهيد المهندس يحيى عياش
رام الله/ غزة – فاطمة العويني

في الذكرى الثلاثين لاستشهاد مهندس كتائب عز الدين القسام الأول يحيى عياش، تعود سيرته إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز رموز العمل المقاوم، ليس فقط بما أنجزه عسكريًا، بل بما تركه من أثر إنساني وفكري ما زال حيًا في الذاكرة الفلسطينية.

يحيى عبد اللطيف ساطي عياش، المولود في السادس من آذار/مارس 1966 في بلدة رافات غرب سلفيت، نشأ في أسرة متدينة وبسيطة، وتزوج من ابنة خالته هيام عياش، وأنجب منها البراء ويحيى. وتؤكد زوجته أن عياش كان إنسانًا قبل أن يكون مطاردًا أو قائدًا، متفرغًا لأسرته رغم حياة المطاردة، وبالغ البر بوالدته، يخدمها ويرعى شؤونها دون أن يُسمعها كلمة تضجر، حتى بعد أن أصبح أبًا.

اقرأ أيضا: يحيى عياش.. رحل الجسد وذكرى بطولاته لم ترحل

وتشير إلى أن عياش كان حنونًا مع أسرته، يتفقدهم باستمرار حتى في ذروة ملاحقته الأمنية، ويسأل عنهم بعد كل اقتحام، وكان يشعر بالعبء الذي ألحقه بهم بسبب مطاردته، فيما أظهر تعلقًا خاصًا بابنه البراء، وفرح بولادة ابنه يحيى، معتبرًا قدومه تحديًا للاحتلال رغم قصر الفترة التي عاشها إلى جانبه.

وتصف زوجته حياة المطاردة بأنها لم تكن حياة زوجية تقليدية، بل مسارًا قائمًا على الجهاد والصبر والتجرد، مؤكدة أنها تعلمت منه تجاوز الألم، والتسليم بأن الحزن لا وقت له، وأن كل ما يكون لله يكتسب معنى أعمق. وتلفت إلى أنه كان يتجنب الحديث عن ذاته، ولا ينسب أي عمل لنفسه، إذ كانت حياته كلها مكرسة للقضية.

أولى عملياته النوعية

وانضم عياش إلى كتائب عز الدين القسام خلال سنوات الانتفاضة الأولى، وبرز بقدراته على تصنيع العبوات المتفجرة باستخدام مواد أولية متوفرة، ما جعله هدفًا مباشرًا لأجهزة الاحتلال التي كثفت مطاردته عقب تنفيذ أولى عملياته النوعية داخل العمق الإسرائيلي، لتبدأ بعدها سلسلة اقتحامات وممارسات عقابية بحق عائلته في الضفة الغربية.

وتوضح زوجته أن مرحلة المطاردة في الضفة كانت الأشد قسوة، حيث تعرض المنزل للاقتحام المتكرر، وتعرضت العائلة لمختلف أشكال الضغط والتهديد، إلا أن تلك المعاناة كانت تتلاشى أمام وقع العمليات التي نفذها وأوجعت الاحتلال.

ومع انتقاله إلى قطاع غزة عام 1993، ازداد حضوره العسكري والتنظيمي، حيث عمل على تدريب عناصر القسام على تصنيع المتفجرات، فيما تصف زوجته تلك المرحلة، رغم صعوبتها، بأنها من أجمل مراحل حياتها، لقربها منه، معتبرة أن غزة كانت وستبقى المكان الأقرب إلى قلبها، وقد اختارها الله لتكون مثوى جسده.

وتضيف أن عياش كان على صلة وثيقة بقادة القسام، وعلى رأسهم القائد العام محمد الضيف، معتبرة أن تلك المرحلة جسدت عمق المشروع الذي حمله، واستمر بعد استشهاده.

المطلوب الأول

وبسبب العمليات التي خطط لها عياش، أصبح المطلوب الأول لدى أجهزة الاحتلال الإسرائيلي، واستمرت مطاردته قرابة خمس سنوات، فشلت خلالها عدة محاولات لاغتياله، إلى أن تمكن جهاز “الشاباك” من اغتياله في الخامس من كانون الثاني/يناير 1996، عبر تفجير عبوة ناسفة زرعت في هاتف محمول أثناء تواصله مع والده، بمساعدة عميل للاحتلال.

وتقول زوجته إن عياش كان يتحدث دائمًا عن الشهادة، مرددًا أبياتًا تعكس استعداده للموت في سبيل الله، مشيرة إلى أن خبر استشهاده كان قاسيًا على الأسرة، رغم الإيمان العميق بخياره وطريقه.

وتستحضر مشهد تشييعه، واصفة إياه بأنه غير مسبوق، حيث شاركت حشود غفيرة في وداعه، في جنازة بدت كموج البحر من كثرة المشاركين، رجالًا ونساءً، في مشهد عكس مكانته في قلوب الفلسطينيين.

وبعد ثلاثين عامًا على استشهاده، لا يزال اسم يحيى عياش حاضرًا في الوعي الجمعي الفلسطيني، كرمزٍ جمع بين العلم والمقاومة، وترك إرثًا لم تستطع آلة الاغتيال الإسرائيلية ولا مرور الزمن أن تطمسه.

المصدر / فلسطين أون لاين