فلسطين أون لاين

العالم الذي نعرفه ينهار.. والفوضى قادمة

"قلت له عندما تحدثت إليه قبل أسبوع عليك الاستسلام.. سنكون منخرطين بشأن من يتولى زمام الأمور في فنزويلا.. وسنكون منخرطين بقوة في قطاع النفط في فنزويلا"، كان هذا تعليق الرئيس دونالد ترامب على حادثة اختطاف الجيش الأميركي، الرئيس الفنزويلي اليساري المنتخب نيكولاس مادورو، من قلب العاصمة الفنزويلية كاراكاس في 3 يناير/كانون الثاني الجاري.

صراحة الرئيس ترامب، حددت دوافع العملية الأميركية وأهدافها بشكل جلي؛ فالاستثمار في النفط الفنزويلي أو السيطرة عليه، هدف حيوي لأميركا وشركاتها النفطية العملاقة، وهذا غير متاح بوجود الرئيس نيكولاس مادورو في السلطة، وهو الخليفة الوارث سياسات الرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز المعادي واشنطن وهيمنتها الإمبريالية التقليدية في أميركا اللاتينية.

مادورو العنيد في مواجهة الأطماع الأميركية

حافظ الرئيس مادورو- بعد فوزه في الانتخابات الفنزويلية المبكرة في أبريل/نيسان 2013، عقب وفاة الرئيس هوغو شافير- على السياسة الفنزويلية المناهضة الولايات المتحدة وهيمنتها، رغم الضغوط السياسية والحصار الاقتصادي.

وفي هذا السياق واجه مادورو خصومه في المعارضة الموالين لواشنطن كخوان غواديو الذي حاول في العام 2019 تنصيب نفسه رئيسا للبلاد بدعم من واشنطن التي فشلت بدورها في استمالة الجيش الفنزويلي للانقلاب على الرئيس مادورو المنتخب.

كما عاود مادورو نجاحه في الانتخابات الأخيرة، يوليو/تموز 2024، في مواجهة مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس، بعد أن تم استبعاد المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، التي حصلت لاحقا على جائزة نوبل للسلام، وأهدتها الرئيس دونالد ترامب.

كانت الانتخابات الأخيرة صاخبة على مستوى ردود الفعل، حيث جرى الطعن في نزاهة الانتخابات، رغم أن المحكمة قضت بالأمر لصالح مادورو، كما أن الدول انقسمت في موقفها من نتائج الانتخابات، فلم تعترف الولايات المتحدة وعدد من دول أوروبا وأميركا اللاتينية بفوزه، في المقابل سارع حلفاء: كاراكاس؛ كوبا، ونيكاراغوا، وإيران، وروسيا، والصين، إلى تهنئة الرئيس نيكولاس مادورو.

بهذا الشكل تعززت خريطة الدول المنافسة واشنطن، والمناهضة هيمنتها في ساحتها الخلفية، وفي مجالها الحيوي الجنوبي الذي رسمته لنفسها منذ أن فرضت "وصايتها" على أميركا اللاتينية.. استنادا إلى "مبدأ مونرو" الذي أعلنه الرئيس الأميركي جيمس مونرو عام 1823، للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، بذريعة حماية مصالح أميركا، ومنع التهديد المحتمل لأمنها القومي، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

وحتى لو أدى ذلك- وفق المنطق الأميركي الاستعلائي- إلى احتلال وضم أراضٍ من دول الجوار، كما شهدته تلك المرحلة من استيلاء الولايات المتحدة الأميركية على 55% من الأراضي المكسيكية بين عامي 1846 و1848 والتي شكلت حوالي 7 ولايات أميركية، هي: كاليفورنيا، ونيفادا، ويوتا، ومعظم أريزونا، ونيو مكسيكو، وأجزاء من كولورادو، ووايومنغ، فضلا عن ولاية تكساس التي كانت قد وقعت تحت السيطرة الأميركية في العام 1845.

النسق التاريخي في القرن التاسع عشر، هو ما أعادت التأكيد عليه وثيقة الأمن القومي الإستراتيجية، الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025، بإشارتها إلى سياسة الرئيس ترامب بجعل "أميركا أولا"، وباستعادة النفوذ الأميركي في أميركا اللاتينية كأولوية وحصرية في السياسة الخارجية، بالإضافة إلى مواجهة الصعود الصيني والقضايا الأخرى.

إذًا، استعادة النفوذ الأميركي والسيطرة على الموارد في فنزويلا وأميركا اللاتينية، لا يمكن أن تكونا إلا بالتخلص من الزعماء المناهضين الهيمنة الأميركية، وفي مقدمتهم نيكولاس مادورو خليفة هوغو شافيز.

وفي سياق الذريعة وتبرير التدخل في الشؤون الداخلية لفنزويلا، جاء اتهام واشنطن الرئيس مادورو برئاسته منظمة إرهابية، والاتجار بالمخدرات وتصديرها إلى الولايات المتحدة، مع أن تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2023، أشار- استنادا إلى بيانات وكالة مكافحة المخدرات الأميركية- إلى أن المسار الأكبر لتهريب الكوكايين إلى الشمال يمر عبر المحيط الهادئ بنسبة تقارب 74%، وأن المهربين يستخدمون الطائرات لإرسال بعض الشحنات عبر الكاريبي.

ووفقا لتقرير إدارة مكافحة المخدرات الأميركية لعام 2025، فإن 84% من الكوكايين المصادَر في الولايات المتحدة يأتي من كولومبيا، مع الإشارة إلى دول أخرى مشاركة في النقل والعبور، دون ذكر فنزويلا ضمن القسم المخصص للكوكايين في هذا التقرير.

إذًا، يتضح أن مادورو هو ضحية الأطماع الأميركية في بلاده الغنية بالنفط، حيث تشير التقارير إلى أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، تقدر بنحو 303 مليارات برميل، في وقت تعد الصين، المنافس القوي لأميركا، أكبر مستورد للنفط الفنزويلي في العالم، إذ تجاوزت وارداتها 600 ألف برميل يوميا خلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2025، ما يشكل 60% من الصادرات النفطية الفنزويلية، وهو ما يمثل نحو 4% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام.

تقدُم الصين نحو فنزويلا، وتعويضها مساحات الفراغ نتيجة الحصار الأميركي، وبما تملكه الصين من إمكانيات اقتصادية وعسكرية وتقنية، زاد ذلك من قلق واشنطن؛ فبدلا من حصارها الصين في آسيا بدأت الصين تتقدم إلى أميركا اللاتينية الحظيرة الخلفية لأميركا، بالإضافة إلى روسيا، وإيران اللتين تربطهما علاقات وثيقة بفنزويلا.

النظام العالمي ينهار

اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته سيليا فلوريس- علاوة على خلقه فراغا محتملا- قد يؤدي إلى فوضى نتيجة الاشتباك السياسي، وربما الأمني بين المعارضة (أنصار أميركا)، وأنصار مادورو وخط هوغو شافيز المناهض الإمبريالية الغربية الرأسمالية، لذا فإن الخطوة الأميركية تقود العالم إلى مفاعيل خطيرة على مستوى أميركا اللاتينية والساحة الدولية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: ضرب حالة الاستقرار في أميركا اللاتينية:

دخلت فنزويلا الآن في مرحلة انتقالية، لا يعلم أحد يقينا إلى أين ستفضي، والتي أحد سيناريوهاتها فوضى الفراغ التي سترخي بذيولها على دول المنطقة.

كما أن دولا مناهضة السياسة الأميركية- مثال كوبا، وكولومبيا اللتين على خلاف كبير مع واشنطن، ومثال المكسيك والبرازيل بقيادة لولا دا سيلفا الذي ينتقد السلوك الأميركي وسياسة الهيمنة الخارجية- ستصاب بفوبيا الخشية من الانقلابات الداخلية، أو التدخلات الخارجية، ما سيعزز القبضة الأمنية داخليا، ويقلص مساحات التعاون الجماعي بين الدول اللاتينية التي أيدت أو عارضت ما حدث مع الرئيس مادورو.

فالدول القلقة من السياسة الأميركية ستصبح معنية بالتنسيق بين بعضها البعض؛ لمناهضة الهيمنة الأميركية، ما سيعزز ثقافة المحاور في أميركا اللاتينية اتصالا بالصين، وروسيا، وإيران، ويقود المشهد إلى حالة من التدافع الذي يُلقي بظلاله الثقيلة على الحريات العامة، والاقتصاد الذي يتأثر بالتقلبات السياسية.

فعلاوة على أن فنزويلا تملك أعلى احتياطي من النفط عالميا، والذي تطمع واشنطن بالسيطرة عليه، فإن دولة كالبرازيل تعد من الدول العشر الأولى عالميا، بحجم ناتج محلي يقدر بتريليوني دولار، ما يشكل 2% من الناتج المحلي العالمي، وأي اضطراب في الجغرافيا السياسية ستكون له تداعيات على الاقتصاد الدولي الحساس، في ظل تقلبات الرئيس ترامب.

هذا في وقت قد تتزايد فيه حركة الهجرة من الدول الفقيرة إلى الغنية؛ بسبب الاضطرابات، وهو الأمر الذي يشكو منه الرئيس ترامب بشكل مركزي، خاصة إذا علمنا أن عدد المهاجرين الفنزويليين بلغ نحو 7.8 ملايين مهاجر أو لاجئ، 85% منهم موزعون في دول أميركا اللاتينية والكاريبي مثل كولومبيا، وبيرو، والبرازيل، وتشيلي، والإكوادور.

وعلى صلة بالموضوع، فقد يفتح الاضطراب السياسي، مساحات أكبر لمافيا المخدرات في أميركا اللاتينية التي قد تجد ضالتها في الخلخلة الأمنية، وتراجع قبضة الحكومات المركزية، فتتحول من شبكات تجارة ممنوعة، إلى طرف في الصراعات الداخلية؛ لتأمين محيطها الجغرافي وشبكات تحالفها مع جيوش المنطقة وتجار السياسة المحلية، خاصة أن الولايات المتحدة المعنية بالتغيير والهيمنة، لا تستطيع أن تقحم جيوشها البرية في دول أميركا اللاتينية؛ لاستحالة الإمكانيات، ومعارضة الشعب الأميركي، ولذلك ستحاول الاعتماد على حلفاء ووكلاء في تلك الدول.

ثانيا: انهيار المرجعيات الدولية واستدعاء الفوضى:

يتبادر إلى ذهن الكثيرين السؤال التالي: إذا كانت أميركا التي تلعب دور الحارس المفترض للقانون الدولي، اختطفت الرئيس مادورو، وانتهكت سيادة دولة فنزويلا العضو في الأمم المتحدة، فماذا سيكون موقف واشنطن وموقف الدول التي أيدتها، إذا أقدمت روسيا على اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أو أقدمت الصين على اختطاف رئيس تايوان لاي تشينغ تي، واستعادت سيادتها على الجزيرة وفق سياستها التي تصر على أن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين؟

إذًا الولايات المتحدة عمليا، أقدمت على خطوة باتجاه تدمير المنظومة الدولية المتمثلة في الأمم المتحدة ومؤسساتها، وأقدمت على تهشيم القانون الدولي الناظم للعلاقات الدولية، والذي تحول إلى إلهٍ من عجوة تأكله الولايات المتحدة عندما تجوع، وتعبده عندما تشبع، وهذه انتقائية ودمار للنظام الذي حكم العالم بعد الحرب العالمية الثانية حتى اللحظة.

إن عودة العالم لمنطق القوة، والمصالح المبنية لحساب قوميات أخرى، ترسم معالم فوضى ستجتاح العالم، فكثير من الدول، وخاصة الكبرى أو القوية، ستجد ضالتها ومبررها للتدخل في شؤون دول أصغر أو أضعف بذرائع تاريخية؛ ربما منها القول إن الدولة الصغرى كانت جزءا من جغرافيتها أو سيادتها سابقا.

وهذا يتجلى على سبيل المثال في العلاقة بين روسيا، وأوكرانيا، والصين، وتايوان، أو القول إن هذا النظام في تلك الدولة يشكل تهديدا لأمن أو مصالح دولة ما، أو الزعم بأن ذلك الشعب يعود أصله لدولة أمّ، كما فعل أدولف هتلر مع النمسا وإقليم السوديت في تشيكوسلوفاكيا ذات الأغلبية الألمانية.

السلوك الأميركي في فنزويلا يعد وصفة لإعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية في العالم، انطلاقا من المصالح القومية، ومعايير القوة اللاأخلاقية للدول الكبرى، وذلك على حساب القانون الدولي، وسيادة الدول، ومنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والاحتكام لمحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، والمحاكم الخاصة عند الاختلاف.

السلوك الأميركي سيعجل إعادة رسم التحالفات والمحاور شرقا وغربا، ويدفع العديد من الدول إلى مضمار وسباق التسلح والتمترس دفاعا عن نفسها وهويتها وسيادتها الوطنية.

وعندما تختلط المعايير وتفقد بوصلتها التي نشأت عليها بعد الحرب العالمية الثانية، يدخل العالم في حقبة من انعدام اليقين، تكون تكلفته باهظة حتى تستقر الأمم على حال جديد بعد أن تستنزف نفسها في صراعات مفتوحة، تعيد رسم معالم القوة والجغرافيا السياسية، وتعيد إنتاج المعايير الجديدة من ميدان الصراع الدولي، وفق منطق المنتصر وعلو القوة إن كانت أخلاقية أو غير أخلاقية.

ثالثا: الشرق الأوسط يشتعل:

الإبادة الجماعية في قطاع غزة، أظهرت مدى تراجع القانون الدولي والعدالة الدولية، وعجز المجتمع الدولي أمام قوة الولايات المتحدة وانحيازها للاحتلال الإسرائيلي المتوحش.

تراجعت الثقة في الولايات المتحدة الأميركية، وبات ينظر لها كشريك للاحتلال وكناظم لسلوكه الإجرامي بحق الشعب الفلسطيني، وفي المنطقة العربية إن في لبنان، أو سوريا، أو إيران، أو اليمن وعموم المنطقة العربية، التي تئن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والأمنية.

التدخل الأميركي الفج والمخالف للقانون الدولي في فنزويلا، سيشجع إسرائيل، التي يحكمها يمين لاهوتي، على التطرف في تسوية خلافاتها وصراعاتها في المنطقة العربية تحت عنوان "إعادة رسم الشرق الأوسط الجديد"، وليس بعيدا عن ذلك إحياء مشروع "إسرائيل الكبرى".

وفي هذا السياق، لا يُعلم يقينا ما الذي دار أو اتفق عليه ترامب ونتنياهو في البيت الأبيض، أثناء زيارة الأخير في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، بشأن الموقف من المشروع النووي والصواريخ الباليستية في إيران، وسلاح حزب الله في لبنان، ناهيك عن سلاح حماس والمقاومة في غزة، والموقف من الأقليات في سوريا، والتموضع التركي في سوريا، وشرق المتوسط، وليبيا، وسعي إسرائيل للتموضع في إقليم أرض الصومال الانفصالي.

قضايا كبرى شائكة في المنطقة ما زالت مفتوحة وإسرائيل طرف فيها، ما قد يدفعها للإقدام على خطوات عسكرية تجاه خصومها بهدف الحسم، وليس مستبعدا أن تبدأ بإيران استثمارا لحرب الـ12 يوما من العام الماضي، واستثمارا لتراجع الوضع الاقتصادي والمظاهرات التي خرجت بسبب التضخم في إيران، وهو الأمر الذي استغلته إسرائيل بتشجيع المحتجين على الوقوف ضد النظام، وأشار الرئيس ترامب إليه باحتمال تدخل الولايات المتحدة دعما للمتظاهرين إذا أقدم النظام الإيراني على "قتل المحتجين"، ما يمهد ويعزز واقعيا سياسة التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

ما حدث في فنزويلا يتصل بما قد يحدث في إيران والمنطقة العربية، فإسرائيل لا تعدو أكثر من حاملة طائرات أميركية، أو ولاية أميركية في الشرق الأوسط، تعمل وفقا للإيقاع الأميركي، وإن كانت واشنطن متحفزة للتدخل في أميركا اللاتينية عسكريا، فإسرائيل أكثر تحفزا للتدخل عسكريا في الشرق الأوسط.

وكما يتحرك العالم لإعادة رسم حدود القوة والجغرافيا السياسية، فإسرائيل معنية أيضا بإعادة رسم الشرق الأوسط وفق حدود قوتها المستمدة من الولايات المتحدة الأميركية.

ما يُثير السؤال بشأن موقف الدول العربية والإسلامية من المتغيرات الإقليمية والدولية، وبشأن مشروعها السياسي لحماية نفسها من الزلزال الأميركي الذي بدأ في فنزويلا، وربما يمر عبر الشرق الأوسط.